التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٧ - الاجتهاد عند الإمامية
قدم للخطابة و الإمامة و التدريس ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب و افتى فقهاء الإسلام طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب و تحريم ما عداها و العمل على هذا الى اليوم [١] هذه لمعة مختصرة من نشوء اجتهاد المسلمين في الفقه و ارتقائه.
الاجتهاد عند الإمامية
ان أصحابنا الإمامية قد أذعنوا لقانون الخلافة الإلهية الكبرى التي لم يزل صاحب الدعوة (ص) طيلة حياته يجاهر بالتنويه بها و أوقف أصحابه في مواطن عديدة على أسماء من يلي أمر الأمة من بعده من أبنائه الأقدسين بعد سيد الأوصياء أمير المؤمنين (ع) و أوضح ما منحهم الباري عز و جل به من العلم باسرار الطبائع و حوادث الكون من خير و شر و كان الأصحاب يتحفظون بما تحملوه عن أئمتهم (عليهم السلام) من الأحاديث في فقه الشريعة و أثارها حتى ان ابان بن تغلب و هو راو واحد حدث عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) بثلاثين الف حديث [٢] و تضافر النقل ان أربعة آلاف رجل من المشتهرين بالعلم جمعوا من أجوبة مسائله أربعمائة كتاب عرفت بالأصول الأربعمائة [٣] كلهم من أهل العراق و الحجاز و الشام و خراسان [٤].
و هذا غير ما دوّن عن السجاد و الباقر و الأئمة بعد الصادق (عليه السلام) فقد جمع أصحابهم فيما تحملوه من أحاديثهم ما يزيد على الأصول الأربعمائة بكثير [٥] و لم تزل تلكم الأحاديث محتفظا بها في موسوعات هامة كالأصول الأربعة:
«الأول من الأصول»: الكافي، لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفّى ببغداد سنة ٣٢٩ هألفه في حياة السفراء عن الامام المنتظر (عجل اللّٰه فرجه) و يحكى ملا خليل القزويني في شرح الكافي انه عرض على «ولي العصر» (عليه السلام) فاستحسنه و في نص الشهيد الأول محمد بن مكي المستشهد سنة ٧٨٦ هزيادة أحاديثه على الصحاح الستة فقد أحصيت أحاديثه إلى ستة عشر الف و مائة و تسعة و تسعين حديثا مع ان أحاديث البخاري بحذف المكرر أربعة آلاف و مثله صحيح مسلم بحذف المكرر و أحاديث الموطأ و سنن الترمذي و النسائي لا تبلغ عدد صحيح مسلم.
على ان الشيخ الكليني كما يقول عنه الوحيد البهبهاني المتوفّى سنة ١٢٠٨ هعانى في جمعه المشاق بمسافرته الى البلدان و الأقطار و اجتماعه بشيوخ الإجازات و قرب عصره من أرباب الأصول الأربعمائة و الكتب المعول عليها و مضى له على تأليفه عشرون سنة [٦].
«الثاني من الأصول»: من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفّى بالري سنة ٣٨١ ه«الثالث و الرابع من الأصول»: التهذيب و الاستبصار، لأبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفّى و المدفون بداره في النجف الأشرف سنة ٤٦٠ هو قد جمع هذه الأصول الأربعة مع زيادة بعض الشرح عليها من
[١] الخطط المقريزية ج ٤ ص ١٤١.
[٢] الوجيزة للبهائي.
[٣] المعتبر للمحقق ص ٥.
[٤] مقدمة الذكرى للشهيد الأول.
[٥] نهاية الدراية للسيد الصدر، ص ٢١٣ و الدراية ص ٤٠.
[٦] نهاية الدراية ص ٢٢٠ للسيد الصدر.