التنقيح في شرح العروة الوثقى - الغروي، الشيخ علي - الصفحة ٣٩ - ٤- التخطئة و التصويب
..........
الواقعية تابعة لآراء المجتهدين و جعل الحكم متأخر عن قيام الامارة عليه و هذا هو المعبر عنه بالتصويب الأشعري.
إلا أنه أمر غير معقول و ذلك لأنه لو لم يكن هناك حكم مجعول واقعا قبل قيام الأمارة فالامارة تحكي عن أيّ شيء؟ و أنها تودّي إلى اىّ حكم و هل يعقل الكشف من دون مكشوف و الحكاية من غير محكي؟! فلو توقف ثبوته على قيام الامارة عليه لدار، على ان لازمة اختصاص الأحكام الشرعية بمن قامت عنده الأمارة و هو خلاف التسالم و الأخبار الدالة على ان للّٰه سبحانه في كل واقعة حكم يشترك فيه العالم و الجاهل و من قامت عنده الامارة و من لم تقم.
و قد يراد به ان في الواقع أحكاما مجعولة حسب ما فيها من المصالح المقتضية لجعلها و هي التي تحكي عنها الأمارات إلا ان قيام الامارة سبب لحدوث مصلحة فيما أدت إليه أقوى مما فيه من المصلحة الواقعية و لذا يكون الحكم الفعلي المجعول على طبق الامارة و مؤداها دون الواقع، لأن الأحكام الواقعية ليست بفعلية بل هي صورية و إنشائية و لا تتصف بالفعلية إلا فيما إذا أدت الامارة إليها فمن لم يقم عنده امارة على الحكم لم يكن حكم فعلى في حقه. و هذا هو المعبر عنه بالتصويب المعتزلي و هو و إن كان أمرا معقولا في نفسه فإنه لا مانع من ان تكون الأحكام الواقعية إنشائية تتوقف فعليتها على قيام الامارة على طبقها و ان تكون مختصة بالعالمين بها دون الجاهلين نظير اختصاص بعض الاحكام ببعض المكلفين دون بعض كأحكام النساء المختصة بهن دون الرجال.
إلا ان الإجماع قد انعقد على أن الامارة لا تكون مغيرة للواقع و لا تمس كرامته بوجه بل ادّعى شيخنا الأنصاري (قده) أن وجود الحكم المشترك بين الجاهل و العالم مما تواترت عليه الاخبار و الآثار [١] و معه لا يبقى لتوهم اختصاص
[١] لعله (قده) ينظر بذلك الى الاخبار الآمرة بالتوقف أو الاحتياط أو غيرها مما يدلنا بالدلالة الالتزامية على أن الاحكام الواقعية مشتركة بين العالمين و الجاهلين و إلّا فلم ترد على ذلك رواية واحدة- فيما عثرنا عليه- فضلا عن أن تكون متواترة.