الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٨٠ - نقض قول الفلاسفة بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد
الثانية: أنّ الصادر عنه أوّلا بلا واسطة هو العقل، و بيان هذه الدعوى موقوف على تصوّر أقسام الممكن.
قالوا: الموجود الممكن إمّا أن يفتقر إلى موضوع أولا. و المراد بالموضوع هو المحلّ المقوّم لما يحلّ فيه. فإن كان الأوّل فهو العرض، و إن كان الثاني فهو الجوهر. فإمّا أن يكون محلّا، أو حالّا، أو مركّبا منهما، أو ليس واحدا من الثلاثة. فإن كان محلّا فهو المادّة، و إن كان حالّا فهو الصورة، و إن كان مركّبا منهما فهو الجسم، و إن لم يكن واحدا من الثلاثة فهو المجرّد. فإن افتقر في كمالاته إلى البدن فهو النّفس و إن لم يفتقر فهو العقل.
إذا تقرّر هذا قالوا: لا يجوز أن يكون الصادر الأوّل عنه عرضا لأنّ العرض مفتقر إلى الموضوع فهو يستدعي سبقيّته. فلو كان هو الأوّل لتقدّم على محلّه. و لا مادّة و إلّا لكانت صالحة للتأثير، لكن المادّة لا تصلح لأنّها قابلة و الفاعل لا يكون قابلا. و لا صورة لأنّها مفتقرة في فاعليّتها إلى المادّة فلا تكون سابقة عليها. و لا جسما لتركّبه، فيكون الصادر اثنين لا واحد. و لا نفسا لأنّها تتوقّف في فعلها على الآلة، فتستدعي سبقيّتها. فلم يبق إلّا العقل، و هو المطلوب. هذا تقرير ما قالوه[١]، و قد عرفت ضعف مبناه.
[١]استدلّوا على إثبات الجواهر المجرّدة التي هي العقول بوجوه: الأوّل: قالوا: إنّ اللّه تعالى واحد فلا يكون علّة للمتكثّر، فيكون الصادر عنه واحدا، فلا يخلو إمّا أن يكون جسما أو مادّة أو صورة، أو نفسا أو عرضا أو عقلا، و الأقسام كلّها باطلة سوى الأخير.
أمّا الأوّل: فلأنّ كلّ جسم مركّب من المادّة و الصورة. و قد بيّنّا أنّ المعلول الأوّل واحد.
أمّا الثاني: فلأنّ المادّة هي الجوهر القابل، فلا تصلح للفاعليّة لأنّ نسبة القبول نسبة الإمكان، و نسبة الفاعل نسبة الوجوب، و يستحيل أن تكون نسبة الشيء الواحد إلى الواحد نسبة إمكان و وجوب.
أمّا الثالث: فلأنّ الصورة مفتقرة في فاعليّتها و تأثيرها إلى المادّة، لأنّها إنّما تؤثّر إذا كانت موجودة مشخّصة. و إنّما تكون كذلك إذا كانت مقارنة للمادّة. فلو كانت الصورة هي المعلول الأوّل السابق على غيره لكانت مستغنية في عليّتها عن المادّة، و هو محال.
أمّا الرابع: فلأنّ النفس إنّما تفعل بواسطة البدن، فلو كانت هي المعلول الأوّل لكانت علّة لما بعدها من الأجسام، فتكون مستغنية في فعلها عن البدن فلا تكون نفسا بل عقلا، و هو محال.
أمّا الخامس: فلأنّ العرض محتاج في وجوده إلى الجوهر، فلو كان المعلول الأوّل عرضا لكان علّة للجواهر كلّها، فيكون السابق مشروطا باللّاحق في وجوده، و هو باطل بالضرورة.
قال العلّامة: إذا عرفت هذا الدليل فنقول بعد تسليم اصوله: إنّه إنّما يلزم لو كان المؤثّر موجبا، و أمّا إذا كان مختارا فلا، فإنّ المختار تتعدّد آثاره و أفعاله. و سيأتي الدليل على أنّه مختار. كشف المراد: ١٣١.