الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٥١ - تعريف المعجز و وجوب صدوره عن الرسل
الأولى: تعريف المعجز، و هو أمر خارق للعادة، خال عن المعارضة، مقرون بالتحدّي، موافق لدعوى الآتي به. و إنّما قلنا: «أمر» و لم نقل: «فعل» ليعمّ الإثبات و النفي فالإثبات كجعل العصا حيّة، و النفي كسلب القدرة، و غير ذلك. فهنا قيود:
الأوّل: خرق العادة فإنّه لو لم يكن خارقا كطلوع الشمس من المشرق لم يدلّ على الصدق. و خرقه للعادة قد يكون في جنسه كما قلنا، و قد يكون في صفته كفصاحة القرآن.
الثاني: خلوّه عن المعارضة فإنّه لو لم يخل عن المعارضة، بل كان مقدورا، لم يدلّ على التصديق كالسحر و الشّعبذة.
الثالث: اقترانه بالتحدّي، أي طلب المعارضة ليخرج كرامات الأولياء، و الإرهاص الذي يفعله اللّه تعالى للدلالة على قرب مجيء نبيّ[١]. و كذا ما يفعله تكذيبا، كقصّة فرعون و إبراهيم فإنّه لمّا جعل اللّه النار بردا و سلاما على إبراهيم قال هو: أنا جعلتها بردا و سلاما! فجاءته نار فأحرقت نصف ذقنه لا غير.
الرابع: مطابقته للدعوى فإنّه لو لم يطابق لم يدلّ أيضا، كقصّة مسيلمة[٢] لمّا دعا النبيّ صلى اللّه عليه و آله لأعور فردّ اللّه عينه، فقال: أنا أدعو له. فدعا فذهبت عينه الموجودة!
الثانية: إنّه يجب خلق المعجزة على يد النبيّ صلى اللّه عليه و آله، لأنّه لمّا تساوت أشخاص الإنسان في صلاحيّة النبوّة لم يكن الدالّ على تعيين النبيّ إلّا المعجز، فيكون خلقه
[١]الإرهاص في اللغة: تأسيس البنيان. و في الاصطلاح: قسم من الخوارق، أو الخارق الذي يظهر من النبيّ قبل البعثة، أي الأمر الخارق العادة الذي يظهر من النبيّ قبل ظهور بعثته. سمّي به لأنّ الإرهاص بناء البيت، فكأنّه بناء بيت إثبات النبوّة.
و قد ظهرت الخوارق قبل نبوّة نبيّنا، كالنور الذي في جبين آبائه، و كقصّة أصحاب الفيل.
اللوامع الإلهيّة: ٢١٢، كشّاف اصطلاحات الفنون ١: ٥٦٣، محيط المحيط: ٣٣٥.
[٢]مسيلمة الكذّاب قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيمن أسلم، ثمّ ارتدّ لمّا رجع إلى بلده، و ادّعى النبوّة فاتّفقت معه بنو حنيفة إلّا القليل، و غلب على اليمامة. فكتب ثمامة- عامل رسول اللّه على اليمامة- بخبره إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله، فلمّا مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، أرسل أبو بكر إليه عسكرا بقيادة عكرمة بن أبي جهل و قوّاه بخالد بن الوليد و قاتلوا قتالا شديدا حتى قتل مسيلمة و نحو عشرين ألفا من أتباعه. اشترك في قتله وحشيّ و أبو دجانة. و كان وحشيّ يقول: قتلت خير الناس و شرّ الناس: حمزة و مسيلمة. و قتل جمع كثير من الصحابة و المسلمين. و كانت حرب اليمامة سنة ١١ أو ١٢ ه. تاريخ الطبريّ ٢:
٥٠٥، الكامل في التاريخ ٢: ٣٤، شذرات الذهب ١: ٢٣، بحار الأنوار ٢١: ٤١٣.