الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٣٥ - أفعال الله معللة بالأغراض
أقول: لمّا ثبت أنّ للعبد فعلا و للّه تعالى فعل أيضا أراد أن يفرّق بينهما بإعطاء قاعدة كليّة يستحضرها من يريد الفرق، فقال: كلّ ما يستحقّ العبد عليه مدحا كالعبادة أو ذمّا كالمعصية أو يقال له: لم فعلت؟ كتجارته و أسفاره، فهو فعله. و ما لا يكون كذلك كحسن صورته و ثقل جسمه أو خلق السماوات و جعل الكواكب فيها، فليس ذلك بفعله، بل بفعل اللّه سبحانه.
[أفعال اللّه معلّلة بالأغراض]
قال: أصل- إذا ثبت أنّ فعل البارئ تعالى تبع لداعيه، و الداعي هو العلم بمصلحة الفعل أو الترك، فأفعاله تعالى لم تخل من مصالح[١]، أي إنّه إنّما يفعل لغرض.
و إذا ثبت أنّه كامل لذاته و مستغن عن الغير، فتلك المصالح لم تعد إليه تعالى، بل إلى عبيده. و إذا ثبت أنّ أفعاله لمصالح عبيده، ثبت بطريق العكس أنّ كلّ ما فيه فساد بالنسبة إليهم لم يصدر عنه تعالى.
أقول: في هذا الأصل فوائد:
الأولى: أنّ فعل اللّه تعالى تبع لداعيه. و هذا تقدّم بيانه، و هو معنى كونه مختارا.
الثانية: أنّه تعالى يفعل لغرض، إمّا بمعنى أنّه يسوق أفعاله إلى كمالاتها، و الغرض انسياقها إلى كمالاتها، و ذلك ظاهر لمن تدبّر مخلوقاته. و إمّا بمعنى أنّه يفعل لمصالح ترجع إلى غيره، و الدليل على ذلك أنّ الداعي هو العلم بمصلحة الفعل أو الترك الباعث على إيجاده، و إذا كان كذلك فأفعاله تعالى لم تخل من الحكم و المصالح لأنّ ذلك لازم من كونه فاعلا مختارا، و ذلك ثابت له بالبرهان و لازم اللازم لازم، فأفعاله تلزمها المصالح و الحكم. و تلك المصالح و الحكم هي مرادنا بالأغراض، ففعله تعالى لا يخلو من غرض. و هذا مذهب أصحابنا الإماميّة و المعتزلة[٢] خلافا للأشاعرة فإنّهم حكموا بسلب الغرض عن أفعاله تعالى[٣]، و ذلك باطل باتّفاق الفقهاء و الحكماء.
[١]الفصول النصيريّة: عن المصالح.
[٢]ذهب أصحابنا الإماميّة و المعتزلة إلى أنّه تعالى يفعل لغرض و لا يفعل شيئا لغير فائدة. و الدليل عليه أنّ كلّ فعل لا يقع لغرض فإنّه عبث. كشف المراد: ٢٣٨، الملل و النحل: ٥٠.
[٣]ذهبت الأشاعرة إلى أنّه لا يجوز تعليل أفعاله تعالى بشيء من الأغراض و العلل الغائيّة، و إلّا لكان هو ناقصا في ذاته مستكملا بتحصيل ذلك الغرض. شرح تجريد العقائد للقوشجيّ: ٣٤٠.