الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٢٨ - أفعال العبيد صادرة عن اختيار
تقريره: الواجب تعالى قادر عالم بكلّ القبائح و ترك الواجبات و مستغن عن كلّها، و كلّ من كان كذلك استحال عليه فعل القبائح و ترك الواجبات، ينتج: أنّه لا يفعل قبيحا و لا يخلّ بواجب أمّا الصغرى فقد اشتملت على مدّعيات ثلاثة:
الأوّل: كونه قادرا على كلّ المقدورات التي من جملتها القبائح و ترك الواجبات.
الثاني: كونه عالما بكلّ المعلومات التي من جملتها تلك أيضا.
الثالث: كونه غنيّا في ذاته و صفاته عن كلّ ما عداه اللازم ذلك من وجوب وجوده، و من جملة ذلك فعل القبائح و ترك الواجبات. و قد تقدّم البرهان على هذه كلّها فلا وجه لإعادته.
و أمّا الكبرى فضروريّة، فإنّا نعلم ضرورة أنّ القادر على القبيح العالم بقبحه المستغني عنه لا يفعله إذا كان حكيما، و هو تعالى حكيم، فيكون تعالى كذلك، و هو المطلوب.
[أفعال العبيد صادرة عن اختيار]
قال: أصل- الأفعال التي (توجد من عبيده)[١] هم موجدوها بالاختيار لأنّها تحصل بحسب دواعيهم. و عند الفلاسفة: هم موجدوها بالإيجاب. و عند المجبّرة:
أوجدها اللّه تعالى فيهم إذ لا مؤثّر عندهم إلّا اللّه. و احتجّ أبو الحسين على الأوّل بالضرورة، و ليس ببعيد.
أقول: اختلف الناس في الأفعال التي تحصل عند قصودنا و دواعينا و تنتفي عند صوارفنا: هل هي صادرة عن قدرتنا أو عن قدرة اللّه تعالى؟ فذهب جهم بن صفوان إلى الثاني و تابعه على ذلك جماعة المجبّرة، فعندهم إنّه ليس لأحد مع اللّه تعالى فعل لا إحداثا و لا كسبا[٢]. و ذهب المعتزلة و الإماميّة و الفلاسفة إلى الأوّل.
ثمّ اختلفوا، فقالت الفلاسفة: هي صادرة منّا على سبيل الإيجاب لأنّ الإرادة
[١]ما بين القوسين في الفصول النصيريّة: تصدر من العبيد.
[٢]الجبريّة أصناف، منهم أصحاب جهم بن صفوان، فإنّهم قالوا: إنّ الأفعال مخلوقة للّه تعالى فينا، لا تعلّق لها بنا أصلا لا اكتسابا و لا إحداثا، و إنّما نحن كالظروف. المقالات الإسلاميّين ١: ٣١٢، شرح الأصول الخمسة: ٣٢٤.