الانوار الجلاليه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١١ - حياته السياسية
باختطاف الطوسيّ و حمله إلى قلعة ألموت. فكان يعيش عندهم شبه أسير أو سجين. و استدلّوا على ذلك بما كتب في آخر كتابه شرح الإشارات- و هو الذي ألّفه خلال إقامته في قلاع الإسماعيليّين- قال: رقمت أكثرها في حال صعب لا يمكن أصعب منها حال، و رسمت أغلبها في مدّة كدورة بال لا يوجد أكدر منه بال، بل في أزمنة يكون كلّ جزء منها ظرفا لغصّة و عذاب أليم و ندامة و حسرة عظيم، و أمكنة توقد كلّ آن فيها زبانية نار جحيم، و يصبّ من فوقها حميم.
ما مضى وقت ليس عيني فيه مقطّرا، و لا بالى مكدّرا، و لم يجئ حين لم يزد ألمي و لم يضاعف همّي و غمّي، نعم ما قال الشاعر بالفارسيّة:
به گرداگرد خود چندان كه بينم
بلا انگشترى و من نگينم
و ما لي في امتداد حياتي زمان ليس مملوءا بالحوادث المستلزمة للندامة الدائمة و الحسرة الأبديّة. و كان استمرار عيشي أمير جيوشه غموم، و عساكره هموم. اللّهمّ نجّني من تزاحم أفواج البلاء و تراكم أمواج العناء بحقّ رسولك المجتبى و وصيّه المرتضى صلّى اللّه عليهما و آلهما، و فرّج عنّي ما أنا فيه بلا إله إلّا أنت و أنت أرحم الراحمين[١].
و كيف كان فقد مكث الخواجة عند ناصر الدين محتشم قهستان مدّة، و في خلالها ترجم كتاب «طهارة الأعراق» لابن مسكويه الرازيّ إلى الفارسيّة، و زاد عليه مطالب جديدة و سمّاه «أخلاق ناصري»، ناسبا به إلى مضيّفه ناصر الدين. و ألّف هناك أيضا «الرّسالة المعينيّة في علم الهيئة» منسوبة إلى معين الدين بن ناصر الدين.
و لمّا بلغ علاء الدين محمّد زعيم الإسماعيليّين نزول الطوسيّ على واليه و عرف مقدار ما يستفيد من معارفه طلبه منه، فأرسله إلى زعيمه علاء الدين في قلعة «ميموندژ» ب ألموت.
ثمّ انتهت حياة علاء الدين قتلا بيد أحد حجّابه، فتولّى أمر الإسماعيليّين بعده ابنه الأكبر ركن الدين خورشاه. و ظلّ الخواجة مع ركن الدين في قلعة ألموت حتّى استسلام ركن الدين للمغول بقيادة هولاكو. و كانت مدّة إقامته مع الإسماعيليّين ما يقرب من اثنتين و عشرين (٢٢) سنة، و ذلك من سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة (٥٣٢) إلى أربع و خمسين و خمسمائة (٥٥٤)، و كتب في تلك الأيّام كتبا و رسائل كثيرة.
[١]شرح الإشارات ٣: ٤٢٠.