الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٧
يجوز ألا يعلم الحوادث المباينة لذاته أولى، و إن كان معلوما فإما أن يفتقر إلى علم آخر و كذلك العلم يفتقر إلى علوم أخر لا نهاية لها، و ذلك محال.
و إما ان يعلم الحادث و العلم بالحادث نفس ذلك العلم فتكون ذات العلم واحدة و لها معلومان: أحدهما ذات، و الآخر ذات الحادث، فيلزم منه لا محالة تجويز علم واحد يتعلق بمعلومين مختلفين فكيف لا يجوز علم واحد يتعلق بأحوال معلوم واحد مع اتحاد العلم و تنزهه عن التغير.
و هذا لا مخرج منه؛ فأما الإرادة فقد ذكرنا أن حدوثها بغير إرادة أخرى محال، و حدوثها بإرادة بتسلسل إلى غير نهاية، و إن تعلق الإرادة القديمة بالأحداث غير محال، و يستحيل أن تتعلق الإرادة بالقديم فلم يكن العالم قديما لأن الإرادة تعلقت باحداثه لا بوجوده في القدم، و قد سبق إيضاح ذلك، و كذلك الكرامي اذا قال يحدث في ذاته إيجادا في حال حدوث.
العالم فبذلك يحصل حدوث العالم في ذلك الوقت، فيقال له: و ما الذي خصص الايجاد الحادث في ذاته بذلك الوقت، فيحتاج إلى مخصص آخر فيلزمهم في الإيجاد ما لزم المعتزلة في الإرادة الحادثة، و من قال منهم إن ذلك الإيجاد هو قوله كن، و هو صوت، فهو محال من ثلاثة أوجه.
أحدها: استحالة قيام الصوت بذاته، و الآخر: أن قوله كن حادث أيضا، فان حدث من غير أن يقول له كن فليحدث العالم من غير أن يقال له كن، فإن افتقر قوله كن في أن يكون، إلى قول آخر، افتقر القول الآخر إلى ثالث، و الثالث إلى رابع، و يتسلسل إلى غير نهاية، ثم لا ينبغي أن يناظر من انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت، قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة. و معلوم أن النون و الكاف لا يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين محال و إن جمع و لم يرتب لم يكن قولا مفهوما و لا كلاما، و كما يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين، و لا يعقل في أوان ألف ألف كاف