الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨
له فيه و يستقبح ما له فيه فائدة، أما الاستحسان فمن رأى إنسانا أو حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه و لو بشربة ماء مع أنه ربما لا يعتقد الشرع و لا يتوقع منه غرضا في الدنيا و لا هو بمرأى من الناس حتى ينتظر عليه ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض و مع ذلك يرجح جهة الانقاذ على جهة الاهمال بتحسين هذا و تقبيح ذلك، و أما الذي يستقبح مع الأغراض، كالذي يحمل على كلمة الكفر بالسيف و الشرع قد رخص له في اطلاقها، فانه قد يستحسن منه الصبر على السيف و ترك النطق به، أو الذي لا يعتقد الشرع و حمل بالسيف على نقض عهد، و لا ضرر عليه في نقضه و في الوفاء به هلاكه، فانه يستحسن الوفاء بالعهد و الامتناع من النقض، فبان أن الحسن و القبح معنى سوى ما ذكرتموه. و الجواب أن في الوقوف على الغلطات المذكورة ما يشفي هذا الغليل، أما ترجيح الانقاذ على الاهمال في حق من لا يعتقد الشرع فهو دفع للأذى الذي يلحق الانسان في رقة الجنسية، و هو طبع يستحيل الانفكاك عنه. و لأن الانسان يقدر نفسه في تلك البلية و يقدر غيره قادرا على انقاذه مع الإعراض عنه، و يجد من نفسه استقباح ذلك فيعود عليه و يقدر ذلك من المشرف على الهلاك في حق نفسه فينفره طبعه عما يعتقده من أن المشرف على الهلاك في حقه، فيندفع ذلك عن نفسه بالانقاذ. فان فرض ذلك في بهيمة لا يتوهم استقباحها أو فرض في شخص لا رقة فيه و لا رحمة فهذا مجال تصوره، اذ الانسان لا ينفك عنه فان فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر و هو الثناء بحسن الخلق و الشفقة على الخلق.
فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه و ميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل، و ذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد.
و هو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به. و إن علم بعقله عدم الثناء، كما انه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل، و طبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به، و ان علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من بعشقه في