الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٣
و الجواب ان المحققين من أهل الحق صرحوا بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع و البصر و العلم الذي هو كمال في الإدراك دون الأسباب التي هي مقترنة بها في العادة من المماسة و الملاقاة، فإن ذلك محال على اللّه تعالى، كما جوزوا ادراك البصر من غير مقابلة بينه و بين المبصر، و في طرد هذا القياس دفع هذا السؤال و لا مانع منه و لكن لما لم يرد الشرع إلا بلفظ العلم و السمع و البصر فلم يمكن لنا إطلاق غيره.
و أما ما هو نقصان في الإدراك فلا يجوز في حقه تعالى البتة. فإن قيل يجر هذا إلى إثبات التلذذ و التألم، فالخدر الذي لا يتألم بالضرب ناقص، و العنين الذي لا يتلذذ بالجماع ناقص، و كذا فساد الشهوة نقصان، فينبغي أن نثبت في حقه شهوة، قلنا هذه الأمور تدل على الحدوث و هي في أنفسها إذا بحث عنها نقصانات، و هي محوجة إلى أمور توجب الحدوث، فالألم نقصان، ثم هو محوج إلى سبب هو ضرب، و الضرب مماسة تجري بين الأجسام، و اللذة ترجع إلى زوال الألم اذا حققت أو ترجع إلى درك ما هو محتاج إليه و مشتاق إليه، و الشوق و الحاجة نقصان، فالموقوف على النقصان ناقص، و معنى الشهوة طلب الشيء الملائم و لا طلب إلا عند فقد المطلوب و لا لذة إلا عند نيل ما ليس بموجود، و كل ما هو ممكن وجوده للّه فهو موجود فليس يفوته شيء حتى يكون بطلبه مشتهيا و بنيله ملتذا، فلم تتصور هذه الأمور في حقه تعالى و إذا قيل إن فقد التألم و الإحساس بالضرب نقصان في حق الخدر، و إن إدراكه كمال و إن سقوط الشهوة من معدته نقصان، و ثبوتها كمال أريد به أنه كمال بالإضافة إلى ضده الذي هو مهلك في حقه، فصار كمالا بالإضافة إلى الهلاك لأن النقصان خير من الهلاك فهو إذا ليس كمالا في ذاته بخلاف العلم و هذه الادراكات.
الصفة السابعة، الكلام:
ندعي أن صانع العالم متكلم كما أجمع عليه المسلمون، و اعلم أن من