الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣
و لا يعلم أنه ليس باضلال، و الجواب أن نقول:
أما الشبهة الأولى فضعيفة؛ فإن النبي صلى اللّه عليه و سلم يرد مخبرا بما لا تشتغل العقول بمعرفته، و لكن تستقل بفهمه إذا عرف، فإن العقل لا يرشد إل النافع و الضار من الأعمال و الأقوال و الأخلاق و العقائد، و لا يفرق بين المشقى و المسعد، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية و العقاقير، و لكنه إذا عرّف فهم و صدّق و انتفع بالسماع فيجتنب الهلاك و يقصد المسعد، كما ينتفع بقول الطبيب في معرفة الداء و الدواء، ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال و أمور أخر، فكذلك يستدل على صدق الرسول عليه السلام بمعجزات و قرائن و حالات فلا فرق.
فأما الشبهة الثانية، و هو عدم تمييز المعجزة عن السحر و التخيل، فليس كذلك، فان أحدا من العقلاء لم يجوز انتهاء السحر إلى إحياء الموتى، و قلب العصا ثعبانا، و فلق القمر، و شق البحر، و إبراء الأكمه و الأبرص، و أمثال ذلك. و القول الوجيز إن هذا القائل إن ادعى أن كل مقدور للّه تعالى فهو ممكن تحصيله بالسحر فهو قول معلوم الاستحالة بالضرورة، و إن فرّق بين فعل قوم و فعل قوم فقد تصور تصديق الرسول بما يعلم أنه ليس من السحر و يبقى النظر بعده في أعيان الرسل عليهم السلام و آحاد المعجزات و أن ما أظهروه من جنس ما يمكن تحصيله بالسحر أم لا، و مهما وقع الشك فيه لم يحصل التصديق به ما لم يتحد به النبي على ملأ من أكابر السحرة و لم يمهلهم مدة المعارضة و لم يعجزوا عنه، و ليس الآن من غرضنا آحاد المعجزات.
و أما الشبهة الثالثة، و هو تصور الإغواء من اللّه تعالى و التشكيك لسبب ذلك، فنقول: مهما علم وجه دلالة المعجزة على صدق النبي، علم أن ذلك مأمون عليه، و ذلك بأن يعرف الرسالة و معناها و يعرف وجه الدلالة فنقول: لو تحدّى إنسان بين يدي ملك على جنده أنه رسول الملك إليهم و أن الملك أوجب طاعته عليهم في قسمة الأرزاق و الاقطاعات، فطالبوه