الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٨
المنفك عن الزوايا الخارجة عن الاستقامة، و الثاني، أن الأشكال المستديرة إذا وضعت متراصة بقيت بينها فرج معطلة لا محالة، و الثالث، أن أقرب الأشكال القليلة الأضلاع إلى المستديرة في الاحتواء هو شكل المسدس، و الرابع أن كل الأشكال القريبة من المستديرة كالمسبع و المثمن و المخمس إذا وضعت جملة متراصة متجاورة بقيت بينها فرج معطلة و لم تكن متلاصقة، و أما المربعة فإنها متلاصقة و لكنها بعيدة عن احتواء الدوائر لتباعد زواياها عن أوساطها، و لما كان النحل محتاجا إلى شكل قريب من الدوائر ليكون حاويا لشخصه فإنه قريب من الاستدارة، و كان محتاجا لضيق مكانه و كثرة عدده إلى أن لا يضيع موضعا بفرج تتخلل بين البيوت و لا تتسع لأشخاصها و لم يكن في الأشكال مع خروجها عن النهاية شكل يقرب من الاستدارة و له هذه الخاصية و هو التراص و الخلو عن بقاء الفرج بين أعدادها إلا المسدس، فسخرها اللّه تعالى لاختيار الشكل المسدس في صناعة بيتها؛ فليت شعري أعرف النحل هذه الدقائق التي يقصر عن دركها أكثر عقلاء الإنس أم سخره لنيل ما هو مضطر إليه الخالق المنفرد بالجبروت و هو في الوسط مجري فتقدير اللّه تعالى يجري عليه و فيه، و هو لا يدريه و لا قدرة له على الامتناع عنه.
و إن في صناعات الحيوانات من هذا الجنس عجائب لو أوردت منها طرفا لامتلأت الصدور من عظمة اللّه تعالى و جلاله، فتعسا للزائغين عن سبيل اللّه المغترين بقدرتهم القاصرة و مكنتهم الضعيفة الظانين أنهم مساهمون اللّه تعالى في الخلق و الاختراع و إبداع مثل هذه العجائب و الآيات. هيهات هيهات! ذلت المخلوقات و تفرد بالملك و الملكوت جبار الارض و السموات فهذه أنواع الشناعات اللازمة على مذهب المعتزلة فانظر الآن إلى أهل السنة كيف وفقوا للسداد و رشحوا للاقتصاد في الاعتقاد، فقالوا: القول بالجبر محال باطل، و القول بالاختراع اقتحام هائل، و إنما الحق إثبات القدرتين على فعل واحد، و القول بمقدور منسوب إلى قادرين فلا يبقى