الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٥
الحسن أيضا ثلاثة: فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلا كان او آجلا؛ و قائل يخصص بما يوافق الغرض في الآخر و هو الذي حسنه الشرع أي حث عليه و وعد بالثواب عليه و هو اصطلاح أصحابنا، و القبيح عند كل فريق ما يقابل الحسن، فالأول أعم و هذا أخص، و بهذا الاصطلاح قد يسمي بعض من لا يتحاشى فعل اللّه تعالى قبيحا إذ كان لا يوافق غرضهم، و لذلك تراهم يسبون الفلك و الدهر و يقولون خرف الفلك و ما أقبح أفعاله و يعلمون ان الفاعل خالق الفلك؛ و لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: لا تسبوا الدهر، فإن اللّه هو الدهر [١]؛ و فيه اصطلاح ثالث إذ قد يقال فعل اللّه تعالى حسن كيف كان مع انه لا غرض في حقه؛ و يكون معناه أنه لا تبعة عليه فيه و لا لائمة و أنه فاعل في ملكه الذي لا يساهم فيه ما يشاء، و أما الحكمة فتطلق على معنيين: أحدهما الاحاطة المجردة بنظم الأمور و معانيها الدقيقة و الجليلة و الحكم عليها بأنها كيف ينبغي أن تكون حتى تتم منها الغاية المطلوبة بها، و الثاني أن تنضاف إليه القدرة على إيجاد الترتيب و النظام و اتقانه و إحكامه فيقال حكيم من الحكمة، و هو نوع من العلم، و يقال حكيم من الأحكام و هو نوع من الفعل، فقد اتضح لك معنى هذه الألفاظ في الأصل و لكن هاهنا ثلاث غلطات للوهم يستفاد من الوقوف عليها الخلاص من إشكالات تغتر بها طوائف كثيرة:
الغلطة الأولى: أن الإنسان قد يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه و إن كان يوافق غرض غيره، و لكنه لا يلتفت إلى الغير، فكل طبع مشغوف بنفسه و مستحقر ما عداه و لذلك يحكم على الفعل مطلقا بأنه قبيح و قد يقول أنه قبيح في عينه، و سببه أنه قبيح في حقه بمعنى أنه مخالف لغرضه، و لكن أغراضه كأنه كل العالم في حقه فيتوهم أن المخالف لحقه مخالف في نفسه، فيضيف القبح إلى ذات الشيء و يحكم بالإطلاق؛ فهو مصيب في أصل
[١] منفق عليه