الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٦

و لا عدمه و نجرد النظر إلى ذات العالم فيبقى له بهذا الاعتبار الأمر الثالث و هو الإمكان، و نعني به أنه ممكن لذاته، أي إذا لم نشترط غير ذاته كان ممكنا فظهر منه أنه يجوز أن يكون الشي‌ء الواحد ممكنا محالا، و لكن ممكنا باعتبار ذاته محالا باعتبار غيره، و لا يجوز أن يكون ممكنا لذاته محالا لذاته، فهما متناقضان فنرجع إلى خلاف المعلوم فنقول: إذا سبق في علم اللّه تعالى إماتة زيد صبيحة يوم السبت مثلا فنقول: خلق الحياة لزيد صبيحة يوم السبت ممكن أم ليس بممكن؟ فالحق فيه أنه ممكن و محال؛ أي هو ممكن باعتبار ذاته إن قطع الالتفات إلى غيره، و محال لغيره لا لذاته و ذلك إذا اعتبر معه الالتفات إلى تعلق ذاتها و هو ذات العلم، إذ ينقلب جهلا، و محال أن ينقلب جهلا فبان أنه ممكن لذاته محال للزوم استحالة في غيره. فاذا قلنا حياة زيد في هذا الوقت مقدورة، لم نرد به إلا أن الحياة من حيث أنها حياة ليس بمحال، كالجمع بين السواد و البياض.

و قدرة اللّه تعالى من حيث أنها قدرة لا تنبو عن التعلق بخلق الحياة و لا تتقاصر عنه لفتور و لا ضعف و لا سبب في ذات القدرة، و هذان أمران يستحيل إنكارهما، أعني نفي القصور عن ذات القدرة و ثبوت الإمكان لذت الحياة من حيث أنها حياة فقط من غير التفات الى غيرها، و الخصم إذا قال غير مقدور على معنى أن وجوده يؤدي إلى استحالة فهو صادق في هذا المعنى، فإنا لسنا ننكره و يبقى النظر في اللفظ هل هو صواب من حيث اللغة إطلاق هذا الاسم عليه أو سلبه، و لا يخفى أن الصواب إطلاق اللفظ فإن الناس يقولون فلان قادر على الحركة و السكون، إن شاء تحرك و إن شاء سكن، و يقولون إن له في كل وقت قدرة على الضدين و يعلمون أن الجاري في علم اللّه تعالى وقوع أحدهما، فالاطلاقات شاهدة لما ذكرناه و حظ المعنى فيه ضروري لا سبيل الى جحده.

الفرع الثاني: إن قال قائل إذا ادعيتم عموم القدرة في تعلقها بالممكنات، فما قولكم في مقدورات الحيوان و سائر الأحياء من المخلوقات، أ هي‌