الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٣
إلى نفس التصديق، هذا فيه نظر، و ترك المداهنة في مثل هذا المقام أولى و الحق أحق ما قيل، فأقول: إن المواظبة على الطاعات لها تأثير في تأكيد طمأنينة النفس إلى الاعتقاد التقليدي و رسوخه في النفس، و هذا أمر لا يعرفه إلا من سبر أحوال نفسه و راقبها في وقت المواظبة على الطاعة و في وقت الفترة و لاحظ تفاوت الحال في باطنه، فإنه يزداد بسبب المواظبة على العمل أنسة لمعتقداته، و يتأكد به طمأنينته، حتى أن المعتقد الذي طالت منه المواظبة على العمل بموجب اعتقاده أعصى نفسا على المحاول تغييره و تشكيكه ممن لم تطل مواظبته، بل العادات تقضي بها، فإن من يعتقد الرحمة في قلبه على يتيم فإن أقدم على مسح رأسه و تفقد أمره صادف في قلبه عند ممارسة العمل بموجب الرحمة زيادة تأكيد في الرحمة، و من يتواضع بقلبه لغيره فإذا عمل بموجبه ساجدا له أو مقبلا يده ازداد التعظيم و التواضع في قلبه و لذلك تعبدنا بالمواظبة على أفعال هي مقتضى تعظيم القلب من الركوع و السجود ليزداد بسببها تعظيم القلوب، فهذه أمور يجحدها المتحذلقون في الكلام الذين أدركوا ترتيب العلم بسماع الألفاظ و لم يدركوها بذوق النظر.
فهذه حقيقة المسألة، و من هذا الخبر اختلافهم في معنى الرزق. و قول المعتزلة:
إن ذلك مخصوص بما يملكه الإنسان حتى ألزموا أنه لا رزق للّه تعالى على البهائم، فربما قالوا هو مما لم يحرم تناوله، فقيل لهم فالظلمة ماتوا و قد عاشوا عمرهم لم يرزقوا، و قد قال أصحابنا إنه عبارة عن المنتفع به كيف كان، ثم هو منقسم إلى حلال و حرام، ثم طولوا في حد الرزق و حد النعمة و تضييع الوقت بهذا و أمثاله دأب من لا يميز بين المهم و غيره و لا يعرف قدر بقية عمره، و إنه لا قيمة له فينبغي أن يضيع العمر إلا بالمهم و بين يدي الأنظار أمور مشكلة البحث عنها أهم من البحث عن موجب الألفاظ و مقتضى الإطلاقات، فنسأل اللّه أن يوفقنا للاشتغال لما يعنينا.