الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٨

و لا يتصف بصفة المدلول، و إن كانت دلالته ذاتية كالعالم فإنه حادث و يدل على صانع قديم فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة مع أن هذه دلالة بالاصطلاح؟ و لما كان كل كلام النفس دقيقا زلّ على ذهن أكثر الضعفاء فلم يثبتوا إلا حروفا و أصواتا و يتوجه لهم على هذا المذهب أسئلة و استبعادات نشير إلى بعضها ليستدل بها على طريق الدفع في غيرها.

الاستبعاد الأول: قول القائل كيف سمع موسى كلام اللّه تعالى؛ أسمع صوتا و حرفا؟ فإن قلتم ذلك فإذا لم يسمع كلام اللّه فإن كلام اللّه ليس بحرف.

و إن لم يسمع حرفا و لا صوتا فكيف يسمع ما ليس بحرف و لا صوت؟

قلنا: سمع كلام اللّه تعالى و هو صفة قديمة قائمة بذات اللّه تعالى ليس بحرف و لا صوت، فقولكم كيف سمع كلام اللّه تعالى كلام من لا يفهم المطلوب من سؤال كيف، و إنه ما ذا يطلب به و بما ذا يمكن جوابه فلتفهم ذلك حتى تعرف استحالة السؤال. فنقول: السمع نوع إدراك، فقول القائل كيف سمع كقول القائل كيف أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر، و هذا السؤال لا سبيل إلى شفائه إلا بوجهين أحدهما أن نسلم سكرا إلى هذا السائل حتى يذوقه و يدرك طعمه و حلاوته، فنقول أدركت أنا كما أدركته أنت الآن و هذا هو الجواب الشافي و التعريف التام. و الثاني أن يتعذر ذلك إما لفقد السكر أو لعدم الذوق في السائل للسكر، فنقول: أدركت طعمه كما أدركت أنت حلاوة العسل فيكون هذا جوابا صوابا من وجه و خطأ من وجه. أما وجه كونه صوابا فإنه تعريف بشي‌ء يشبه المسئول عنه من وجه، و إن كان لا يشبهه من كل الوجوه و هو أصل الحلاوة، فإن طعم العسل يخالف طعم السكر و إن قاربه من بعض الوجوه و هو أصل الحلاوة، و هذا غاية الممكن.

فإن لم يكن السائل قد ذاق حلاوة شي‌ء أصلا تعذر جوابه و تفهيم ما سأل عنه و كان كالعنين يسأل عن لذة الجماع و قط ما أدركه فيمتنع تفهيمه، إلا أن نشبهه له الحالة التي يدركها المجامع بلذة الأكل فيكون خطأ من وجه إذ لذة الجماع و الحالة التي يدركها المجامع لا تساوي الحالة التي‌