الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٥

اللّه تعالى الآن عالم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا، و هو في الأزل إن كان عالما بأنه كان قد وجد كان هذا جهلا لا علما، و اذا لم يكن عالما بأنه قد وجد كان جهلا لا علما، و إذا لم يكن عالما و هو الآن عالم فقد ظهر حدوث العلم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا، و هكذا القول في كل حادث، و أما الإرادة فلا بد من حدوثها فإنها لو كانت قديمة لكان المراد معها، فإن القدرة و الإرادة مهما تمتا و ارتفعت العوائق منها وجب حصول المراد، فكيف يتأخر المراد عن الإرادة و القدرة من غير عائق؟ فلهذا قالت المعتزلة بحدوث إرادة في غير محل و قالت الكرامية بحدوثها في ذاته و ربما عبروا عنه بأنه يخلق ايجادا في ذاته عند وجود كل موجود و هذا راجع إلى الإرادة.

و أما الكلام فكيف يكون قديما و فيه إخبار عما مضى، فكيف قال في الأزل إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‌ قَوْمِهِ [١] و لم يكن قد خلق نوحا بعد، و كيف قال في الأزل لموسى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [٢] و لم يخلق بعد موسى، فكيف أمر و نهى من غير مأمور و لا منهي، و إذا كان ذلك محالا ثم علم بالضرورة أنه آمر و ناه، و استحال ذلك في القدم، علم قطعا أنه صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن، فلا معنى لكونه محلا للحوادث إلا هذا.

و الجواب أنا نقول: مهما حللنا الشبهة في هذه الصفات الثلاثة انتهض منه دليل مستقل على إبطال كونه محلا للحوادث، إذ لم يذهب إليه ذاهب إلا بسبب هذه الشبهة، و إذا انكشف كان القول بها باطلا كالقول بأنه محل للألوان و غيرها مما لا يدل دليل على الانصاف بها، فنقول: الباري تعالى في الأزل علم بوجود العالم في وقت وجوده و هذا العلم صفة واحدة


[١] سورة نوح الآية: ١.
[٢] سورة طه الآية: ١٢.