الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٧
و مفهم معنى صحيحا عند العالم، و هو كقوله تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [١] فإنه يخيل عند الجاهل اجتماعا مناقضا لكونه على العرش، و عند العالم يفهم أنه مع الكل بالاحاطة و العلم، و كقوله صلى اللّه عليه و سلم: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) [٢]، فانه عند الجاهل يخيل عضوين مركبين من اللحم و العظم و العصب مشتملين على الأنامل و الأظفار، نابتين من الكف.
و عند العالم يدل على المعنى المستعار له دون الموضوع له و هو ما كان الاصبع له، و كان سر الاصبع و روحه و حقيقته و هو القدرة على التقليب كما يشاء، كما دلت المعية عليه في قوله (وَ هُوَ مَعَكُمْ) على ما تراد المعية له و هو العلم و الاحاطة و لكن من شائع عبارات العرب العبارة بالسبب عن المسبب، و استعارة السبب للمستعار منه و كقوله تعالى: (من تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا و من أتاني بمشي أتيته بهرولة [٣]) فإن الهرولة عند الجاهل تدل على نقل الأقدام و شدة العدو و كذا الاتيان يدل على القرب في المسافة.
و عند العاقل يدل على المعنى المطلوب من قرب المسافة بين الناس و هو قرب الكرامة و الانعام و إن معناه أن رحمتي و نعمتي أشد انصبابا إلى عبادي من طاعتهم إليّ و هو كما قال: (لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي و أنا إلى لقائهم لأشد شوقا [٤]) تعالى اللّه عما يفهم من معنى لفظ الشوق بالوضع الذي هو نوع ألم و حاجة إلى استراحة، و هو عين النقص و لكن الشوق سبب لقبول المشتاق إليه و الإقبال عليه و إفاضة النعمة لديه فعبر به عن المسبب، و كما عبر بالغضب و الرضى عن إرادة الثواب و العقاب الذين هما ثمرتا الغضب و الرضى و مسبباه في العادة، و كذا لما قال في الحجر الأسود إنه (يمين اللّه في الأرض) [٥] يظن الجاهل انه اراد به اليمين المقابل للشمال التي هي عضو
[١] سورة الحديد الآية: ٥
[٢] رواه مسلم.
[٣] رواه مسلم.
[٤] لا أصل له.
[٥] في اسناده ضعف، و الحديث رواه ابن خزيمة.