الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٠
و جلاله و لا يمكن زوال علوه، و أما النزول بمعنى اللطف و الرحمة و ترك الفعل اللائق بالاستغناء و عدم المبالاة فهو ممكن، فيتعين التنزيل عليه، و قيل إنه لما نزل قوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ [١] استشعر الصحابة رضوان اللّه عليهم من مهابة عظيمة و استبعدوا الانبساط في السؤال و الدعاء مع ذلك الجلال، فأخبروا أن اللّه سبحانه و تعالى مع عظمة جلاله و علو شأنه متلطف بعباده رحيم بهم مستجيب لهم مع الاستغناء إذا دعوه، و كانت استجابة الدعوة نزولا بالإضافة الى ما يقتضيه ذلك الجلال من الاستغناء و عدم المبالاة.
فعبر عن ذلك بالنزول تشجيعا لقلوب العباد على المباسطة بالأدعية بل على الركوع و السجود، فإن من يستشعر بقدر طاقته مبادي جلال اللّه تعالى استبعد سجوده و ركوعه. فإن تقرب العباد كلهم بالإضافة إلى جلال اللّه سبحانه أحس من تحريك العبد إصبعا من أصابعه على قصد التقرب إلى ملك من ملوك الأرض، و لو عظم به ملكا من الملوك لاستحق به التوبيخ، بل من عادة الملوك زجر الأرزال عن الخدمة و السجود بين أيديهم و التقبيل لعتبة دورهم استحقارا لهم عن الاستخدام و تعاظما عن استخدام غير الأمراء و الاكابر، كما جرت به عادة بعض الخلفاء. فلولا النزول عن مقتضى الجلال باللطف و الرحمة و الاستجابة لاقتضى ذلك الجلال أن يبهت القلوب عن الفكر، و يخرس الألسنة عن الذكر، و يخمد الجوارح عن الحركة، فمن لاحظ ذلك الجلال و هذا اللطف استبان له على القطع أن عبارة النزول مطابقة للجلال و مطلقة في موضوعها لا على ما فهمه الجهال؛ فإن قيل فلم خصص السماء الدنيا؟ قلنا: هو عبارة عن الدرجة الأخيرة التي لا درجة بعدها، كما يقال سقط إلى الثرى و ارتفع إلى الثريا، على تقدير أن الثريا أعلى الكواكب و الثرى أسفل المواضع. فإن قيل: فلم خصص بالليالي، فقال ينزل كل ليلة؟ قلنا: لأن الخلوات مظنة الدعوات و الليالي أعدت لذلك،
[١]- سورة غافر الآية: ١٥.