الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٩

فإن قيل: يخطر بباله أن له ربا إن شكره أثابه و أنعم عليه و إن كفر أنعمه عاقبه عليه، و لا يخطر بباله البتة جواز العقوبة على الشكر و الاحتزاز عن الضرر الموهوم في قضية العقل كالاحتراز عن العلوم.

قلنا: نحن لا ننكر أن العاقل يستحثه طبعه عن الاحتراز من الضرر موهوما و معلوما، فلا يمنع من إطلاق اسم الايجاب على هذا الاستحثاث فان الاصطلاحات لا مشاحة فيها، و لكن الكلام في ترجيح جهة الفعل على جهة الترك في تقرير الثواب بالعقاب مع العلم بأن الشكر و تركه في حق اللّه تعالى سيان لا كالواحد منا فإنه يرتاح بالشكر و الثناء و يهتز له و يستلذه و يتألم بالكفران و يتأذى به، فإذا ظهر استواء الأمرين في حق اللّه تعالى فالترجيح لأحد الجانبين محال، بل ربما يخطر بباله نقيضه و هو أنه يعاقب على الشكر لوجهين: أحدهما، أن اشتغاله به تصرف في فكره و قلبه باتعابه صرفه عن الملاذ و الشهوات و هو عبد مربوب خلق له شهوة و مكن من الشهوات، فلعل المقصود أن يشتغل بلذات نفسه و استيفاء نعم اللّه تعالى و أن لا يتعب نفسه فيما لا فائدة للّه فيه فهذا الاحتمال أظهر، الثاني، أن يقيس نفسه على من يشكر ملكا من الملوك بأن يبحث عن صفاته و أخلاقه و مكانه و موضع نومه مع أهله و جميع أسراره الباطنة مجازاة على إنعامه عليه، فيقال له أنت بهذا الشكر مستحق لحز الرقبة، فما لك و لهذا الفضول و من أنت حتى تبحث عن أسرار الملوك و صفاتهم و أفعالهم و أخلاقهم، و لما ذا لا تشتغل بما يهمك، فالذي يطلب معرفة معرفة اللّه تعالى كأنه إن تعرف دقائق صفات اللّه تعالى و أفعاله و حكمته و أسراره في أفعاله و كل ذلك مما لا يؤهل له إلا من له منصب فمن أين عرف العبد أنه مستحق لهذا المنصب؟ فاستبان أن ما أخذهم أوهام رسخت منهم من العادات، تعارضها أمثالها و لا محيص عنها، فإن قيل:

فإن لم يكن مدركا لوجوب مقتضى العقول أدى ذلك إلى إفحام الرسول، فإنه إذا جاء بالمعجزة و قال انظروا فيها، فللمخاطب أن يقول إن لم يكن النظر واجبا فلا أقدم عليه و إن كان واجبا فيستحيل أن يكون مدركه العقل،