الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٤

لائقا بهذا الإيجاز و لكن افتقر إليه لأن ما ذكر فيه غير مقنع و لا شاف. فقد فرغنا من إثبات أحد الأصلين، و هو أن العالم لا يخلو عن الحوادث، فإنه لا يخلو عن الحركة و السكون و هما حادثان و ليسا بمنتقلين، مع أن الإطناب ليس في مقابلة خصم معتقد، إذ أجمع الفلاسفة على أن أجسام العالم لا تخلو عن الحوادث، و هم المنكرون لحدوث العالم. فإن قيل: فقد بقي الأصل الثاني و هو قولكم إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فما الدليل عليه؟

قلنا: لأن العالم لو كان قديما مع أنه لا يخلو عن الحوادث، لثبتت حوادث لا أوّل لها و للزم أن تكون دورات الفلك غير متناهية الاعداد، و ذلك محال لأن كل ما يفضي إلى المحال فهو محال، و نحن نبين أنه يلزم عليه ثلاثة محالات:

الأول- أن ذلك لو ثبت لكان قد انقضى ما لا نهاية له، و وقع الفراغ منه و انتهى، و لا فرق بين قولنا انقضى و لا بين قولنا انتهى و لا بين قولنا تناهى، فيلزم أن يقال قد تناهى ما لا يتناهى، و من المحال البين أن يتناهى ما لا يتناهى و أن ينتهي و ينقضي ما لا يتناهى.

الثاني- أن دورات الفلك إن لم تكن متناهية فهي إما شفع و إما وتر، و إما لا شفع و لا وتر، و إما شفع و وتر معا. و هذه الأقسام الأربعة محال؛ فالمفضي إليها محال إذ يستحيل عدد لا شفع و لا وتر، أو شفع و وتر، فإن الشفع هو الذي ينقسم إلى متساويين كالعشرة مثلا، و الوتر هو أحد الذي لا ينقسم إلى متساويين كالتسعة، و كل عدد مركب من آحاد إما أن ينقسم بمتساويين، أو لا ينقسم بمتساويين، و أما أن يتصف بالانقسام و عدم الانقسام، أو ينفك عنهما جميعا فهو محال، و باطل أن يكون شفعا لأن الشفع إنما لا يكون وترا لأنه يعوزه واحد، فإذا انضاف إليه واحد صار وترا، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد؟ و محال أن يكون وترا، لأن الوتر يصير شفعا بواحد، فيبقى وترا لأنه يعوزه ذلك الواحد، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد؟

الثالث- أنه يلزم عليه أن يكون عددان، كل واحد منهما لا يتناهى، ثم‌