الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨
فان قلت اني لست منكرا هذا الانبعاث للطلب من نفسي و لكني لست أدري أنه ثمرة الجبلة و الطبع و هو مقتضى العقل أو هو موجب الشرع إذ للناس كلام في مدارك الوجوب؛ فهذا انما تعرفه في آخر الكتاب عند تعرضنا لمدارك الوجوب. و الاشتغال به الآن فضول بل لا سبيل بعد وقوع الانبعاث إلى الانتهاض لطلب الخلاص. فمثال الملتفت إلى ذلك مثال رجل لدغته حية أو عقرب و هي معاودة اللدغ و الرجل قادر على الفرار و لكنه متوقف ليعرف ان الحية جاءته من جانب اليمين أو من جانب اليسار، و ذلك من أفعال الأغبياء الجهال نعوذ باللّه من الاشتغال بالفضول مع تضييع المهمات و الأصول.
التمهيد الثاني (في بيان الخوض في هذا العلم و إن كان مهما فهو في حق بعض الخلق ليس بمهم بل المهم لهم تركه)
اعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب. و الطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقا ثاقب العقل رصين الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه. فليعلم المحصل لمضمون هذا الكتاب و المستفيد لهذه العلوم أن الناس أربع فرق:
الفرقة الأولى: آمنت باللّه و صدّقت رسوله و اعتقدت الحق و أضمرته و اشتغلت إما بعبادة و إما بصناعة؛ فهؤلاء ينبغي أن يتركوا و ما هم عليه و لا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم، فإن صاحب الشرع صلوات اللّه عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق و لم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان و عقد تقليدي أو بيقين برهاني. و هذا مما علم ضرورة من مجاري أحواله في تزكيته إيمان من سبق من أجلاف