الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨
فإن قيل: المقدمة الأخيرة غير مسلمة و هو أن نظام الدين لا يحصل إلا بإمام مطاع، فدلوا عليها.
فنقول: البرهان عليه أن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، و نظام الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع، فهاتان مقدمتان ففي أيهما النزاع؟ فإن قيل لم قلتم إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، بل لا يحصل إلا بخراب الدنيا، فإن الدين و الدنيا ضدان و الاشتغال بعمارة أحدهما خراب الآخر، قلنا: هذا كلام من لا يفهم ما نريده بالدنيا الآن، فإنه لفظ مشترك قد يطلق على فضول التنعم و التلذذ و الزيادة على الحاجة و الضرورة، و قد يطلق على جميع ما هو محتاج إليه قبل الموت. و أحدهما ضد الدين و الآخر شرطه، و هكذا يغلط من لا يميز بين معاني الألفاظ المشتركة. فنقول: نظام الدين بالمعرفة و العبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن و بقاء الحياة و سلامة قدر الحاجات من الكسوة و المسكن و الأقوات، و الأمن هو آخر الآفات، و لعمري من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه و له قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، و ليس يأمن الإنسان على روحه و بدنه و ماله و مسكنه و قوته في جميع الأحوال بل في بعضها، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، و إلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة و طلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم و العمل و هما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة، فإذن بان نظام الدنيا، أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين.
و أما المقدمة الثانية و هو أن الدنيا و الأمن على الأنفس و الأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين و الأئمة، و إن ذلك لو دام و لم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج و عم السيف و شمل القحط و هلكت المواشي و بطلت الصناعات، و كان كل غلب سلب و لم يتفرغ أحد للعبادة و العلم إن بقي حيا، و الأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، و لهذا قيل: الدين و السلطان توأمان، و لهذا قيل: الدين أس