الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٢
أسبابه؟ و هل لكل ذلك مصدر إلا فضل اللّه و نعمته؛ فنعوذ باللّه من الانخلاع عن غريزة العقل بالكلية، فإن هذا الكلام من هذا النمط، فينبغي ان يسترزق اللّه تعالى عقلا لصاحبه و لا يشتغل بمناظرته.
الدعوى الثانية:
إن اللّه تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه و ما لا يطيقونه، و ذهب المعتزلة إلى انكار ذلك، و معتقد أهل السنة أن التكليف له حقيقة في نفسه و هو أنه كلام و له مصدر و هو المكلف، و لا شرط فيه إلا كونه متكلما، و له مورد و هو المكلف و شرطه أن يكون فاهما للكلام فلا يسمى الكلام مع الجماد و المجنون خطابا و لا تكليفا، و التكليف نوع خطاب و له متعلق و هو المكلف به و شرطه أن يكون مفهوما فقط، و أما كونه ممكنا فليس بشرط لتحقيق الكلام فإن التكليف كلام، فإذا صدر ممن يفهم مع من يفهم فيما يفهم و كان المخاطب دون المخاطب سمي تكليفا، و إن كان مثله سمي التماسا، و إن كان فوقه سمي دعاء و سؤالا، فالاقتضاء في ذاته واحد و هذه الأسامي تختلف عليه باختلاف النسبة، و برهان جواز ذلك أن استحالته لا تخلو إما أن تكون لامتناع تصور ذاته، كاجتماع السواد و البياض، أو كان لأجل الاستقباح، و باطل أن يكون امتناعه لذاته، فإن السواد و البياض لا يمكن أن يفرض مجتمعا، و فرض هذا ممكن إذ التكليف لا يخلو إما أن يكون لفظا و هو مذهب الخصم و ليس بمستحيل أن يقول الرجل لعبده الزمن قم.
فهو على مذهبهم أظهر و أما نحن فإنا نعتقد أنه اقتضاء يقوم بالنفس، و كما بتصور أن يقوم اقتضاء القيام بالنفس من قادر فيتصور ذلك من عاجز بل ربما يقوم ذلك بنفسه من قادر ثم يبقى ذلك الاقتضاء و نظر الزمانة و السيد لا يدري و يكون الاقتضاء قائما بذاته و هو اقتضاء قائم من عاجز في علم اللّه تعالى، و إن لم يكن معلوما عند المقتضي فإن علمه لا يحيل بقاء الاقتضاء مع العلم بالعجز عن الوفاء و باطل أن يقال بطلان ذلك من جهة الاستحسان،