الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٥

يرى في اليقظة صورا عجيبة و يسمع منها أصواتا منظومة فيحفظها، و من حواليه لا يرون و لا يسمعون، و هذا المعني عندهم برؤية الملائكة و سماع القرآن منهم، و من ليس في الدرجة العالية في النبوة فلا يرى ذلك إلا في المنام، فهذا تفصيل مذاهب الضلال، و الغرض إثبات الصفات و البرهان القاطع هو أن من ساعد على أنه تعالى عالم فقد ساعد على أن له علما، فإن المفهوم من قولنا عالم و من له علم واحد، فإن العاقل يعقل ذاتا و يعقلها على حالة و صفة بعد ذلك، فيكون قد عقل صفة و موصوفا و الصفة علم مثلا، و له عبارتان:

إحداهما طويلة و هي أن نقول هذه الذات قد قام بها علم و الأخرى و جيزة أو جزت بالتصريف و الاشتقاق، و هي أن الذات عالمة كما نشاهد الانسان شخصا و نشاهد نعلا و نشاهد دخول رجله في النعل، فله عبارة طويلة و هو أن نقول هذا الشخص رجله داخلة في نعله أو نقول هو منتعل و لا معنى لكونه منتعلا إلا أنه ذو نعل و ما يظن من أن قيام العلم بالذات يوجب للذات حالة تسمى عالمية، هوس محض، بل العلم هي الحالة، فلا معنى لكونه عالما إلا كون الذات على صفة و حال تلك الصفة الحال و هي العلم فقط، و لكن من يأخذ المعاني من الألفاظ فلا بد أن يغلط.

فإذا تكررت الألفاظ بالاشتقاقات فاشتقاق صفة العالم من لفظ العلم أورث هذا الغلط، فلا ينبغي أن يغتر به. و بهذا يبطل جميع ما قيل و طول من العلة و المعلول و بطلان ذلك جليّ بأول العقل لمن لم يتكرر على سمعه ترديد تلك الألفاظ، و من علق ذلك بفهمه فلا يمكن نزعه منه إلا بكلام طويل لا يحتمله هذا المختصر، و الحاصل هو أنّا نقول للفلاسفة و المعتزلة: هل المفهوم من قولنا عالم عين المفهوم من قولنا موجودا و فيه إشارة إلى وجود و زيادة، فإن قالوا لا، فإذا كل من قال هو موجود عالم، كأنه قال هو موجود و هذا ظاهر الاستحالة، و إذا