الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣
العلو و تكون السماء عبارة عن العلو. فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق و جوارحهم في سياقهم إلى تعظيم اللّه و كيف جهل من قلت بصيرته و لم يلتفت إلّا إلى ظواهر الجوارح و الأجسام و غفل عن أسرار القلوب و استغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، و ظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح و لم يعرف أن المظنة الأولى لتعظيم القلب و أن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان، و أن الجوارح في ذلك خدم و أتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها، و لا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم، و يضاف إليه عند الدعاء أمر آخر و هو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم اللّه تعالى، و خزائن نعمه السموات، و خزان أرزاقه الملائكة و مقرهم ملكوت السموات و هم الموكلون بالأرزاق، و قد قال اللّه تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ [١]، و الطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت وجوههم و قلوبهم إلى جهة الخزانة، و إن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعا و شرعا.
فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء، فيكون ذلك أحد أسباب إشاراتهم، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علوّا كبير.
و أما حكمه صلوات اللّه عليه بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء، فقد انكشف به أيضا إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلّا بالإشارة إلى جهة العلو، فقد كانت خرساء كما حكي. و قد كان يظن بها أنها من عبدة الأوثان، و من يعتقد إله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقدوه أولئك.
[١] سورة الذاريات الآية: ٢٢.