الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٠
مقروء بالألسنة، و أما الكاغذ و الحبر و الكتابة و الحروف و الأصوات كلها حادثة لأنها أجسام و أعراض في أجسام فكل ذلك حادث، و إن قلنا إنه مكتوب في المصحف، أعني صفة تعالى القديم، لم يلزم أن تكون ذات القديم في المصحف، كما أنا إذا قلنا النار مكتوبة في الكتاب لم يلزم منه ان تكون ذات النار حالة فيه، إذ لو حلت فيه لاحترق المصحف، و من تكلم بالنار فلو كانت ذات النار بلسانه لاحترق لسانه، فالنار جسم حار و عليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعا يحصل منه النون و الألف و الراء، فالحار المحرق ذات المدلول عليه لا نفس الدلالة، فكذلك الكلام القديم القائم بذات اللّه تعالى هو المدلول لا ذات الدليل و الحروف أدلة و للأدلة حرمة إذ جعل الشرع لها حرمة فلذلك وجب احترام المصحف لأن فيه دلالة على صفة اللّه تعالى.
الاستبعاد الثالث: إن القرآن كلام اللّه تعالى أم لا؟ فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع، و إن قلتم نعم فما هو سوى الحروف و الأصوات.
و معلوم أن قراءة القارئ هي الحروف و الأصوات، فنقول: هاهنا ثلاثة ألفاظ: قراءة، و مقروء، و قرآن، أما المقروء فهو كلام اللّه تعالى، أعني صفته القديمة القائمة بذاته، و أما القراءة: فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان تاركا له، و لا معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن، فإن كان الخصم لا يفهم هذا من الحادث فلنترك لفظ الحادث و المخلوق، و لكن نقول: القراءة فعل ابتدأه القارئ بعد أن لم يكن يفعله و هو محسوس، و أما القرآن، فقد يطلق و يراد به المقروء فان أريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق و هو الذي أراده السلف رضوان اللّه عليهم بقولهم القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق، أي المقروء بالألسنة، و إن أريد به القراءة التي هي فعل القارئ ففعل القارئ لا يسبق وجود القارئ و ما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث، و على الجملة: من يقول ما أحدثته باختيارى من الصوت و تقطيعه و كنت ساكنا