الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٩

أو أنكر وجود أبي بكر و خلافته لم يلزم تكفيره لأنه ليس تكذيبا في أصل من أصول الدين مما يجب التصديق به بخلاف الحج و الصلاة و أركان الإسلام، و لسنا نكفره بمخالفة الاجماع، فإن لنا نظرة في تكفير (النّظام) المنكر لأصل الاجماع، لأن الشبه كثيرة في كون الاجماع حجة قاطعة و إنما الاجماع عبارة عن التطابق على رأي نظري و هذا الذي نحن فيه تطابق على الاخبار غير محسوس، و تطابق العدد الكبير على الأخبار غير محسوس على سبيل التواتر الموجب للعلم الضروري، و تطابق أهل الحل و العقد على رأي واحد نظري لا يوجب العلم الا من جهة الشرع و لذلك لا يجوز أن يستدل على حدوث العالم بتواتر الأخبار من النظار الذين حكموا به، بل لا تواتر إلا في المحسوسات.

الرتبة السادسة:

أن لا يصرح بالتكذيب و لا يكذب أيضا أمرا معلوما على القطع بالتواتر من أصول الدين و لكن منكر ما علم صحته إلا الاجماع، فأما التواتر فلا يشهد له (كالنظام) مثلا، إذ أنكر كون الاجماع حجة قاطعة في أصله، و قال: ليس يدل على استحالة الخطأ على أهل الاجماع دليل عقلي قطعي و لا شرعي متواتر لا يحتمل التأويل، فكلما تستشهد به من الأخبار و الآيات له تأويل بزعمه، و هو في قوله خارق لإجماع التابعين؛ فإنا نعلم إجماعهم على أن ما أجمع عليه الصحابة حق مقطوع به لا يمكن خلافه فقد أنكر الإجماع و خرق الإجماع و هذا في محل الاجتهاد، ولي فيه نظر، إذ الاشكالات كثيرة في وجه كون الاجماع حجة فيكاد يكون ذلك الممهد للعذر و لكن لو فتح هذا الباب انجر إلى أمور شنيعة و هو أن قائلا لو قال: يجوز أن يبعث رسول بعد نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم، فيبعد التوقف في تكفيره و مستند استحالة ذلك عند البحث تستمد من الاجماع لا محالة فان العقل لا يحيله و ما نقل فيه من قوله:

(لا نبي بعدي) [١] و من قوله تعالى: خاتَمَ النَّبِيِّينَ [٢] فلا يعجز هذا القائل‌


[١] روى مسلم في كتاب الفضائل: «و انا خاتم النبيين».
[٢] سورة الاحزاب الآية: ٤٠.