الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧

واحدة، على أنا لو نزلنا على فاسد معتقد هم فلا نسلم أن من يستخدم عبده يجب عليه في العادة ثواب، لأن الثواب يكون عوضا عن العمل فتبطل فائدة الرق و حق على العبد أن يخدم مولاه لأنه عبده، فان كان لأجل عوض فليس ذلك خدمة، و من العجائب قولهم: إنه يجب الشكر على العباد لأنهم عباد، قضاء لحق نعمته، ثم يجب عليه الثواب على الشكر و هذا محال، لأن المستحق إذا و في لم يلزمه فيه عوض، و لو جاز ذلك للزم على الثواب شكر مجدد و على هذا الشكر ثواب مجدد و يتسلسل إلى غير نهاية، و لم يزل العبد و الرّب كل واحد منهما أبدا مقيدا بحق الآخر، و هو محال، و أفحش من هذا قولهم: إن كل من كفر فيجب على اللّه تعالى أن يعاقبه أبدا و يخلده في النار، بل كل من قارف كبيرة و مات قبل التوبة يخلد في النار، و هذا جهل بالكرم و المروءة و العقل و العادة و الشرع و جميع الامور، فإنا نقول:

العبادة قاضية و العقول مشيرة إلى أن التجاوز و الصفح أحسن من العقوبة.

و الانتقام و ثناء الناس على العافي أكثر من ثنائهم للمنتقم، و استحسانهم للعفو أشد، فكيف يستقبح العفو و الإنعام و يستحسن طول الانتقام! ثم هذا في حق من أذته الجناية و غضت من قدره المعصية، و اللّه تعالى يستوي في حقه الكفر و الايمان و الطاعات و العصيان فهما في حق إلاهيته و جلاله سيان، ثم كيف يستحسن أن سلك طريق المجازاة و استحسن ذلك تأييد العقاب خالدا مخلدا في مقابلته العصيان بكلمة واحدة في لحظة، و من انتهى عقله في الاستحسان إلى هذا الحد كانت دار المرضى أليق به من مجامع العلماء.

على أنا نقول: لو سلك سالك ضد هذا الطريق بعينه كان أقوم قيلا و أجرى على قانون الاستحسان و الاستقباح الذي تقضي به الأوهام و الخيالات كما سبق، و هو أن نقول: الانسان يقبح منه أن يعاقب على جناية سبقت و جناية تداركها إلا لوجهين:

أحدهما، أن يكون في العقوبة زجر و رعاية مصلحة في المستقبل فيحسن ذلك خيفة من فوات غرض في المستقبل، فإن لم يكن فيه مصلحة في المستقبل‌