الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٩
دُخانٌ [١]. و أما قوله صلى اللّه عليه و سلم (ينزل اللّه تعالى إلى السماء الدنيا) [٢] فللتأويل فيه مجال من وجهين:
أحدهما، في اضافة النزول إليه و أنه مجاز، و بالحقيقة هو مضاف إلى ملك من الملائكة كما قال تعالى (وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ) [٣] و المسئول بالحقيقة أهل القرية، و هذا أيضا من المتداول في الألسنة، أعني إضافة أحوال التابع إلى المتبوع، فيقال: ترك الملك على باب البلد، و يراد عسكره، فإن المخبر بنزول الملك على باب البلد قد يقال له هلّا خرجت لزيارته فيقول لا.
لأنه عرج في طريقه على الصيد و لم ينزل بعد، فلا يقال له فلم نزل الملك و الآن تقول لم ينزل بعد؟ فيكون المفهوم من نزول الملك نزول العسكر.
و هذا جلي واضح.
و الثاني، أن لفظ النزول قد يستعمل للتلطف و التواضع في حق الخلق كما يستعمل الارتفاع للتكبر، يقال فلان رفع رأسه إلى عنان السماء، أي تكبر، و يقال ارتفع إلى أعلى عليين، أي تعظم؛ و إن علا أمره يقال:
أمره في السماء السابعة؛ و في معارضته إذا سقطت رتبته يقال: قد هوى به إلى اسفل السافلين؛ و إذا تواضع و تلطف له تطامن إلى الارض و نزل إلى أدنى الدرجات، فإذا فهم هذا و علم أن النزول عن الرتبة بتركها أو سقوطها و في النزول عن الرتبة بطريق التلطف و ترك العقل الذي يقتضيه علو الرتبة و كمال الاستغناء، فبالنظر إلى هذه المعاني الثلاثة التي يتردد اللفظ بينها ما الذي يجوزه العقل؟
أما النزول بطريق الانتقال فقد أحاله العقل كما سبق، فإن ذلك لا يمكن إلا في متحيز، و أما سقوط الرتبة فهو محال لأنه سبحانه قديم بصفاته
[١] سورة فصلت الآية: ١١.
[٢] راجع ص ١٠٢.
[٣] سورة يوسف الآية: ٨٢.