الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٣

بأن تفرض في صفة معينة كالكلام مثلا، فإن الكرامية قالوا إنه في الأزل متكلم، على معنى أنه قادر على خلق الكلام في ذاته، و مهما أحدث شيئا في غير ذاته أحدث في ذاته قوله كن و لا بد أن يكون قبل إحداث هذا القول ساكتا، و يكون سكوته قديما، و إذا قال جهم أنه يحدث في ذاته علما فلا بد أن يكون قبله غافلا و تكون غفلته قديمة.

فنقول: السكوت القديم و الغفلة القديمة يستحيل بطلانهما لما سبق من الدليل على استحالة عدم القديم. فإن قيل السكوت ليس بشي‌ء إنما يرجع إلى عدم الكلام، و الغفلة ترجع إلى عدم العلم و الجهل و أضداده، فإذا وجد الكلام لم يبطل شي‌ء إذ لم يكن شي‌ء إلا الذات القديمة، و هي باقية، و لكن انضاف إليها موجود آخر و هو الكلام و العلم.

فأما أن يقال: انعدم شي‌ء فلان و يتنزل ذلك منزلة وجود العالم، فإنه يبطل العدم القديم و لكن العدم ليس بشي‌ء حتى يوصف بالقدم و يقدر بطلانه. و الواجب من وجهين أحدهما أن قول القائل السكوت هو عدم الكلام و ليس بصفة و الغفلة عدم العلم و ليست بصفة، كقوله البياض هو عدم السواد و سائر الألوان و ليس بلون، و السكون هو عدم الحركة و ليس بعرض، و ذلك محال، و الدليل الذي دل على استحالته بعينه يدل على استحالة هذا، و الخصوم في هذه المسألة معترفون بأن السكون وصف زائد على عدم الحركة، فإن كل من يدعي أن السكون هو عدم الحركة لا يقدر على اثبات حدوث العالم، فظهور الحركة بعد السكون إذا دل على حدوث المتحرك، فكذلك ظهور الكلام بعد السكوت يدل على حدوث المتكلم، من غير فرق، إذ المسلك الذي به يعرف كون السكون معنى هو مضاد للحركة بعينه يعرف به كون السكوت معنى يضاد الكلام، و كون الغفلة معنى يضاد العلم، و هو أنا إذا أدركنا تفرقة بين حالتي الذات الساكنة و المتحركة فإن الذات مدركة على الحالتين، و التفرقة مدركة بين الحالتين و لا نرجع التفرقة إلى زوال أمر و حدوث أمر فإن‌