الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٣
بل تنسل عن الضبط، و الظن بمعاوية أنه كان على تأويل و ظن فيما كان يتعاطاه و ما يحكى سوى هذا من روايات الآحاد فالصحيح منه مختلط بالباطل و الاختلاف أكثره اختراعات الروافض و الخوارج و ارباب الفضول الخائضون في هذه الفنون، فينبغي أن تلازم الإنكار في كل ما لم يثبت، و ما ثبت فيستنبط له تأويلا، فما تعذر عليك فقل: لعل له تأويلا و عذرا لم أطلع عليه. و اعلم أنك في هذا المقام بين أن تسيء الظن بمسلم و تطعن عليه و تكون كاذبا أو تحسن الظن به و تكلف لسانك عن الطعن و أنت مخطئ مثلا، و الخطأ في حسن الظن بالمسلم أسلم من الصواب بالطعن فيهم، فلو سكت إنسان مثلا عن لعن ابليس أو لعن أبي جهل أو أبي لهب أو من شئت من الأشرار طول عمره لم يضره السكوت، و لو هفا هفوة بالطعن في مسلم بما هو بريء عند اللّه تعالى منه فقد تعرض للهلاك، بل أكثر ما يعلم في الناس لا يحل النطق به لتعظيم الشرع الزجر عن الغيبة، مع أنه إخبار عما هو متحقق في المغتاب. فمن يلاحظ هذه الفصول و لم يكن في طبعه ميل إلى الفضول آثر ملازمته السكوت و حسن الظن بكافة المسلمين و إطلاق اللسان بالثناء على جميع السلف الصالحين، هذا حكم الصحابة عامة، فأما الخلفاء الراشدون فهم أفضل من غيرهم، و ترتيبهم في الفضل عند أهل السنة كترتيبهم في الإمامة، و هذا لمكان أن قولنا فلان أفضل من فلان أن معناه إن محله عند اللّه تعالى في الآخرة أرفع، و هذا غيب لا يطلع عليه إلّا اللّه و رسوله إن أطلعه عليه، و لا يمكن أن يدعي نصوص قاطعة من صاحب الشرع متواترة مقتضية للفضيلة على هذا الترتيب، بل المنقول الثناء على جميعهم، و استنباط حكم الترجيحات في الفضل من دقائق ثنائه عليهم رمي في عماية و اقتحام أمر آخر أغنانا اللّه عنه، و يعرف الفضل عند اللّه تعالى بالأعمال مشكل أيضا و غايته رجم ظن، فكم من شخص متحرم الظاهر و هو عند اللّه بمكان ليس في قلبه و خلق خفي في باطنه، و كم من مزين بالعبادات الظاهرة و هو في سخط اللّه لخبث مستكن