الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦
القدرة التي عنها يصدر الفعل قوة مفكرة، فإن أثبتم في النفس شيئا سوى نفس الفكر الذي هو ترتيب الألفاظ و المعاني و تأليفها، و سوى القوة المفكرة التي هي قدرة عليا و سوى العلم بالمعاني مفترقها و مجموعها، و سوى العلم بالألفاظ المرتبة من الحروف مفترقها و مجموعها فقد أثبتم أمرا منكرا لا نعرفه، و إيضاحه أن الكلام إما أمر أو نهي أو خبر أو استخبار.
أما الخبر فلفظ يدل على علم في نفس المخبر، فمن علم الشيء و علم اللفظ الموضوع للدلالة على ذلك الشيء كالضرب مثلا فإنه معنى معلوم يدرك بالحس، و لفظ الضرب الذي هو مؤلف من الضاد و الراء و الباء الذي وضعته العرب للدلالة على المعنى المحسوس و هي معرفة أخرى، فكان له قدرة على اكتساب هذه الأصوات بلسانه، و كانت له إرادة للدلالة و إرادة لاكتساب اللفظ ثم منه قوله ضرب و لم يفتقر إلى أمر زائد على هذه الامور.
فكل أمر قدرتموه سوى هذا فنحن نقدر نفيه، و يتم مع ذلك قولك ضرب و يكون خبرا و كلاما، و أما الاستخبار فهو دلالة على أن في النفس طلب معرفة، و أما الأمر فهو دلالة على أن في النفس طلب فعل المأمور و على هذا يقاس النهي و سائر الأقسام من الكلام و لا يعقل أمر آخر خارج عن هذا و هذه الجملة، فبعضها محال عليه كالأصوات و بعضها موجود للّه كالارادة و العلم و القدرة، و أما ما عدا هذا نغير مفهوم.
و الجواب أن الكلام الذي نريده معنى زائد على هذه الجملة و لنذكره في قسم واحد من أقسام الكلام و هو الأمر حتى لا يطول الكلام.
فنقول: قول السيد لغلامه قم، لفظ يدل على معنى، و المعنى المدلول عليه في نفسه هو كلام، و ليس ذلك شيئا مما ذكرتموه، و لا حاجة إلى الإطناب في التقسيمات و إنما بتوهم رده ما أراد إلى الأمر أو إلى إرادة الدلالة و محال أن يقال إنه إرادة الدلالة، لأن الدلالة تستدعي مدلولا و المدلول غير الدليل و غير إرادة الدلالة، و محال أن يقال إنه إرادة الآمر، لأنه قد