الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٦
النائم من اللذة عند الاحتلام و من الألم عند تخيل الضرب و غيره، و لو انتبه النائم و أخبر عن مشاهداته و آلامه و لذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الانكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه، كمشاهدة إنكار المعتزلة لعذاب القبر و أما الذي تأكله السباع فغاية ما في الباب أن يكون بطن السبع قبرا، فاعادة الحياة إلى جزء يدرك العذاب ممكن، فما كل متألم يدرك الألم من جميع بدنه. و أما سؤال منكر و نكير فحق، و التصديق به واجب لورود الشرع به و امكانه، فان ذلك لا يستدعي منهما إلا تفهيما بصوت أو بغير صوت، و لا يستدعي منه إلا فهما، و لا يستدعي الفهم إلا حياة، و الإنسان لا يفهم بجميع بدنه بل بجزء من باطن قلبه، و احياء جزء يفهم السؤال و يجيب ممكن مقدور عليه، فيبقى قول القائل إنا نرى الميت و لا نشاهد منكرا و نكيرا و لا نسمع صوتهما في السؤال و لا صوت الميت في الجواب، فهذا يلزمه منه أن ينكر مشاهدة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لجبريل عليه السلام و سماعه كلامه و سماع جبريل جوابه و لا يستطيع مصدق الشرع أن ينكر ذلك، إذ ليس فيه إلا أن اللّه تعالى خلق له سماعا لذلك الصوت و مشاهدة لذلك الشخص، و لم يخلق للحاضرين عنده و لا لعائشة رضي اللّه تعالى عنها و قد كانت تكون عنده حاضرة في وقت ظهور بركات الوحي، فانكار هذا مصدره الإلحاد و إنكار سعة القدرة، و قد فرغنا عن إبطاله و يلزم منه أيضا إنكار ما يشاهده النائم و يسمعه من الأصوات الهائلة المزعجة، و لو لا التجربة لبادر إلى الانكار كل من سمع من النائم حكاية أحواله، فتعسا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالإضافة إلى خلق السموات و الأرض و ما بينهما، مع ما فيهما من العجائب. و السبب الذي ينفر طباع أهل الضلال عن التصديق بهذه الأمور بعينه منفر عن التصديق بخلق الانسان من نطفة قذرة مع ما فيه من العجائب و الآيات أولا أنّ المشاهدة تضطره إلى التصديق فإذا ما لا برهان على إحالته لا ينبغي ان ينكر بمجرد الاستبعاد.