الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٧
يأمر و هو لا يريد الامتثال بل يكرهه، كالذي يعتذر عند السلطان إلهام بقتله توبيخا له على ضرب غلامه، بأنه إنما ضربه لعصيانه، و آيته أنه يأمره بين يدي الملك فيعصيه، فإذا أراد الاحتجاج به و قال للغلام بين يدي الملك قم فإني عازم عليك بأمر جزم لا عذر لك فيه و لا يريد أن تقوم فهو في هذا الوقت آمر بالقيام قطعا، و هو غير مريد للقيام قطعا، فالطلب الذي قام بنفسه الذي دل لفظ الأمر عليه هو الكلام و هو غير إرادة القيام و هذا واضح عند المصنف.
فإن قيل هذا الشخص ليس بآمر على الحقيقة و لكنه موهم أنه أمر، قلنا: هذا باطل من وجهين: أحدهما، أنه لو لم يكن آمرا لما تمهد عذره عند الملك و لقيل له أنت في هذا الوقت لا يتصور منك الأمر لأن الأمر هو طلب الامتثال و يستحيل أن تريد الآن الامتثال و هو سبب هلاكك، فكيف تطمع في أن تحتج بمعصيتك لأمرك و أنت عاجز عن أمره إذ أنت عاجز عن إرادة ما فيه هلاكك و في امتثاله هلاكك؟ و لا شك في أنه قادر على الاحتجاج و أن حجته قائمة و ممهدة لعذره، و حجته بمعصية الأمر، فلو تصور الأمر مع تحقق كراهة الامتثال لما تصور احتجاج السيد بذلك البتة، و هذا قاطع في نفسه لمن تأمله، و الثاني، هو أن هذا الرجل لو حكى الواقعة للمفتيين و حلف بالطلاق الثلاث إني أمرت العبد بالقيام بين يدي الملك بعد جريان عقاب الملك فعصى، لأفتى كل مسلم بأن طلاقه غير واقع و ليس للمفتي أن يقول أنا أعلم أنه يستحيل أن تريد في مثل هذا الوقت امتثال الغلام و هو سبب هلاكك، و الأمر هو إرادة الامتثال فإذا ما أمرت هذا لو قاله المفتي فهو باطل بالاتفاق، فقد انكشف الغطاء و لاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدا على ما عداه من المعاني، و نحن نسمي ذلك كلاما و هو جنس مخالف للعلوم و الإرادات و الاعتقادات، و ذلك لا يستحيل ثبوته للّه تعالى بل يجب ثبوته فإنه نوع كلام فإذا هو المعني بالكلام القديم.
و أما الحروف فهي حادثة و هي دلالات على الكلام و الدليل غير المدلول