الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٤
أراد إثبات الكلام بأن العقل يقضي بجواز كون الخلق مرددين تحت الأمر و النهي و كل صفة جائزة في المخلوقات تستند إلى صفة واجبة في الخالق، فهو في شطط، إذ يقال له: إن أردت جواز كونهم مأمورين من جهة الخلق الذين يتصور منهم الكلام، فمسلم، و إن أردت جوازه على العموم من الخلق و الخالق فقد أخذت محل النزاع مسلما في نفس الدليل و هو غير مسلم. و من أراد إثبات الكلام بالإجماع أو بقول الرسول فقد سام نفسه خطة خسف لأن الإجماع يستند إلى قول الرسول عليه السلام و من أنكر كون الباري متكلما فبالضرورة ينكر تصور الرسول، إذ معنى الرسول المبلغ لرسالة المرسل، فإن لم يكن للكلام متصور في حق من ادعى أنه مرسل كيف يتصور الرسول؟ و من قال أنا رسول الأرض أو رسول الجبل إليكم فلا يصغى إليه لاعتقادنا استحالة الكلام و الرسالة من الجبل و الأرض، و للّه المثل الأعلى، و لكن من يعتقد استحالة الكلام في حق اللّه تعالى استحال منه أن يصدق الرسول إذ المكذب بالكلام لا بد ان يكذب بتبليغ الكلام، و الرسالة عبارة عن تبليغ الكلام، و الرسول عبارة عن المبلغ، فلعل الأقوم منهج ثالث و هو الذي سلكناه في اثبات السمع و البصر في أن الكلام للحي اما ان يقال هو كمال أو يقال هو نقص، أو يقال لا هو نقص و لا هو كمال. و باطل ان يقال هو نقص أو هو لا نقص و لا كمال فثبت بالضرورة أنه كمال، و كل كمال وجد للمخلوق فهو واجب الوجود للخالق بطريق الأولى كما سبق.
فإن قيل: الكلام الذي جعلتموه منشأ نظركم هو كلام الخلق، و ذلك إما أن يراد به الأصوات و الحروف أو يراد به القدرة على ايجاد الأصوات و الحروف في نفس القادر أو يراد به معنى ثالث سواهما، فإن أريد به الأصوات و الحروف فهي حوادث و من الحوادث ما هي كمالات في حقنا و لكن لا يتصور قيامها في ذات اللّه سبحانه و تعالى، و إن قام بغيره لم يكن هو متكلما به بل كان المتكلم به المحل الذي قام به؛ و إن أريد به القدرة على