الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠
فانه إن فهم ذلك لم يمكن أن يقال سواد زيد غير زيد، لأنه لا يوجد دون زيد، قد انكشف بهذا ما هو حظ المعنى و ما هو حظ اللفظ فلا معنى للتطويل في الجليات.
الحكم الثاني:
في الصفات: ندعي أن هذه الصفات كلها قائمة بذاته لا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته، سواء كان في محل أو لم يكن في محل، و أما المعتزلة فإنهم حكموا بأن الإرادة لا تقوم بذاته تعالى، فإنها حادثة و ليس هو محلا للحوادث، و لا يقوم بمحل آخر لأنه يؤدي إلى أن يكون ذلك المحل هو المريد به، فهي توجد لا في محل، و زعموا أن الكلام لا يقوم بذاته لأنه حادث و لكن يقوم بجسم هو جماد حتى لا يكون هو المتكلم به، بل المتكلم به هو اللّه سبحانه.
أما البرهان على أن الصفات ينبغي أن تقوم بالذات فهو عند من فهم ما قدمناه مستغنى عنه، فإن الدليل لما دل على وجود الصانع سبحانه دل بعده على أن الصانع تعالى بصفة كذا و لا نعني بأنه تعالى على صفة كذا، إلّا أنه تعالى على تلك الصفة، و لا فرق بين كونه على تلك الصفة و بين قيام الصفة بذاته.
و قد بينا أن مفهوم قولنا عالم واحد و بذاته تعالى علم واحد، كمفهوم قولنا مريد، و قامت بذاته تعالى إرادة واحدة، و مفهوم قولنا لم تقم بذاته إرادة و ليس بمريد واحد. فتسميته الذات مريدة بإرادة لم تقم به كتسميته متحركا بحركة لم تقم به. و إذا لم تقم الإرادة به فسواء كانت موجودة أو معدومة فقول القائل إنه مريد لفظ خطأ، لا معنى له، و هكذا المتكلم، فإنه متكلم باعتبار كونه محلا للكلام، إذ لا فرق بين قولنا هو متكلم و بين قولنا قام الكلام به، و لا فرق بين قولنا ليس بمتكلم و قولنا لم يقم بذاته كلام، كما في كونه مصوتا و متحركا، فإن صدق على اللّه تعالى قولنا لم يقم بذاته كلام صدق قولنا ليس بمتكلم لأنهما عبارتان عن معنى واحد، و العجب من قولهم إن الإرادة توجد لا في محل، فإن جاز وجود صفة من الصفات لا في محل