الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٦
و الحكم بأنه مخلد في النار؟ و هو كنظرنا في أن الصبي إذا تكلم بكلمتي الشهادة فهو كافر بعد أو مسلم؟ أي هذا اللفظ الذي صدر منه و هو صدق، و الاعتقاد الذي وجد في قلبه و هو حق، هل جعله الشرع سببا لعصمة دمه و ماله أم لا؟
و هذا إلى الشرع، فأما وصف قوله بأنه كذب أو اعتقاده بأنه جهل، فليس إلى الشرع، فإذا معرفة الكذب و الجهل يجوز أن يكون عقليا و أما معرفة كونه كافر أو مسلما فليس إلا شرعيا، بل هو كنظرنا في الفقه في أن هذا الشخص رقيق أو حرّ، و معناه أن السبب الذي جرى هل نصبه الشرع مبطلا لشهادته و ولايته و مزيلا لأملاكه و مسقطا للقصاص عن سيده المستولي عليه، إذا قتله، فيكون كل ذلك طلبا لأحكام شرعية لا يطلب دليلها إلا من الشرع، و يجوز الفتوى في ذلك بالقطع مرة و بالظن و الاجتهاد أخرى، فإذا تقرر هذا الأصل فقد قررنا في أصول الفقه و فروعه أن كل حكم شرعيّ يدعيه مدع فإما أن يعرفه بأصل من أصول الشرع من إجماع أو نقل أو بقياس على أصل، و كذلك كون الشخص كافرا إما أن يدرك بأصل أو بقياس على ذلك الأصل، و الأصل المقطوع به أن كل من كذب محمدا صلى اللّه عليه و سلم فهو كافر أي مخلد في النار بعد الموت، و مستباح الدم و المال في الحياة، إلى جملة الأحكام، إلا أن التكذيب على مراتب.
الرتبة الأولى:
تكذيب اليهود و النصارى و اهل الملل كلهم من المجوس و عبدة الأوثان و غيرهم، فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب و مجمع عليه بين الأمة، و هو الأصل و ما عداه كالملحق به.
الرتبة الثانية:
تكذيب البراهمة المنكرين لأصل النبوات، و الدهرية المنكرين لصانع العالم، و هذا ملحق بالمنصوص بطريق الأولى، لأن هؤلاء كذبوه و كذبوا غيره من الأنبياء، أعني البراهمة، فكانوا بالتكفير أولى من النصارى و اليهود، و الدهرية أولى بالتكفير من البراهمة لأنهم أضافوا إلى تكذيب الأنبياء إنكار المرسل و من ضرورة إنكار النبوة، و يلتحق بهذه الرتبة كل من قال قولا لا تثبت النبوة في أصلها أو نبوة نبينا محمد على الخصوص إلا بعد بطلان قوله.