الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٥

و هكذا .. و هو الذي عنيناه بقولنا إن قدرته تعالى متعلقة بكل ممكن فان الإمكان لا ينحصر في عدد. و مناسبة ذات القدرة لا تختص بعدد دون عدد و لا يمكن أن يشار إلى حركة فيقال أنها خارجة عن إمكان تعلق القدرة بها، مع أنها تعلقت بمثلها اذ بالضرورة تعلم أن ما وجب للشي‌ء وجب لمثله و يتشعب عن هذا ثلاثة فروع.

الفرع الأول: إن قال قائل هل تقولون أن خلاف المعلوم مقدور؟

قلنا: هذا مما اختلف فيه، و لا يتصور الخلاف فيه إذا حقق و أزيل تعقيد الألفاظ و بيانه أنه قد ثبت أن كل ممكن مقدور و أن المحال ليس بمقدور، فانظر أن خلاف المعلوم محال أو ممكن و لا تعرف ذلك إلا اذا عرفت معنى المحال و الممكن و حصلت حقيقتهما و إلا فإن تساهلت في النظر، ربما صدق على خلاف المعلوم أنه محال و أنه ممكن و أنه ليس بمحال، فاذا صدق أنه محال و أنه ليس بمحال و النقيضان لا يصدفان معا.

فاعلم أن تحت اللفظ اجمالا و إنما ينكشف لك ذلك بما اقوله و هو أن العالم مثلا يصدق عليه أنه واجب و أنه محال و أنه ممكن. أما كونه واجبا فمن حيث أنه إذا فرضت إرادة القديم موجودة وجودا واجبا كان المراد أيضا واجبا بالضرورة لا جائزا، اذ يستحيل عدم المراد مع تحقق الإرادة القديمة و أما كونه محالا فهو أنه لو قدر عدم تعلق الإرادة بايجاده فيكون لا محالة حدوثه محالا إذ يؤدي إلى حدوث حادث بلا سبب و قد عرف أنه محال. و أما كونه ممكنا فهو أن تنظر إلى ذاته فقط، و لا تعتبر معه لا وجود الإرادة و لا عدمها، فيكون له وصف الإمكان، فاذا الاعتبارات ثلاثة:

الأول أن يشترط فيه وجود الإرادة و تعلقها فهو بهذا الاعتبار واجب.

الثاني أن يعتبر فقد الإرادة فهو بهذا الاعتبار محال.

الثالث أن نقطع الالتفات عن الإرادة و السبب فلا نعتبر وجوده‌