الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣١

بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات. فإن قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق بخلقه العالم في هذا الحيز الذي خلقه فيه. فقيل خلق العالم لم يكن فوق و لا تحت أصلا، إذ هما مشتقان من الرأس و الرجل و لم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة التي تلي رأسه فوق و المقابل له تحت.

و الوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذيا لجسم العالم، و كل محاذ فإما أصغر منه و إما أكبر و إما مساو، و كل ذلك يوجب التقدير بمقدار، و ذلك المقدار يجوز في العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى مقدار و مخصص.

فإن قيل: لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدرا.

قلنا: العرض ليس في جهة بنفسه، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضا مقدر بالتبعية. فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر، و لا يتصور أن يكون في عشرين، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير الجواهر، كما لزم كونه بجهة بطريق التبعية.

فإن قيل: فإن لم يكن مخصوصا بجهة فوق، فما بال الوجوه و الأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعا و طبعا، و ما باله صلى اللّه عليه و سلم قال للجارية التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين اللّه فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة؟ [١] فالجواب عن الأول أن هذا يضاهي قول القائل: إن لم يكن اللّه تعالى في الكعبة و هو بيته فما بالنا نحجه و نزوره، و ما بالنا نستقبله في الصلاة؟ و إن لم يكن في الأرض، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود؟ و هذا هذيان. بل يقال: قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة واحدة، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع‌


[١] رواه الامام مالك. و الحديث صحيح‌