الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٩

إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد و هذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان و اختلف وجه تعلقهما فتوارد التعلقين على شي‌ء واحد غير محال كما سنبينه.

فإن قيل فما الذي حملكم على اثبات مقدور بين قادرين؟

قلنا: البرهان القاطع على أن الحركة الاختيارية مفارقة للرعدة، و إن فرضت الرعدة مرادة للمرتعد و مطلوبة له أيضا و لا مفارقة إلا بالقدرة، ثم البرهان القاطع على أن كل ممكن تتعلق به قدرة اللّه تعالى و كل حادث ممكن و فعل العبد حادث فهو إذا ممكن فإن لم تتعلق به قدرة اللّه تعالى فهو محال، فإنا نقول: الحركة الاختيارية من حيث أنها حركة حادثة ممكنة مماثلة لحركة الرعدة فيستحيل أن تتعلق قدرة اللّه تعالى بإحداهما و تقصر عن الأخرى و هي مثلها، بل يلزم عليه محال آخر و هو أن اللّه تعالى لو أراد تسكين يد العبد إذا أراد العبد تحريكها فلا يخلو إما أن توجد الحركة و السكون جميعا أو كلاهما لا يوجد فيؤدي إلى اجتماع الحركة و السكون أو الى الخلو عنهما، و الخلو عنهما مع التناقض يوجب بطلان القدرتين، إذ القدرة ما يحصل بها المقدور عند تحقق الإرادة و قبول المحل، فإن ظن الخصم أن مقدور اللّه تعالى يترجح لأن قدرته أقوى فهو محال، لأن تعلق القدرة بحركة واحدة لا تفضل تعلق القدرة الأخرى بها، إذ كانت فائدة القدرتين الاختراع و إنما قوته باقتداره على غيره و اقتداره على غيره غير مرجح في الحركة التي فيها الكلام، إذ حظ الحركة من كل واحدة من القدرتين أن تصير مخترعة بها و الاختراع يتساوى فليس فيه أشد و لا أضعف حتى يكون فيه ترجيح، فاذا الدليل القاطع على إثبات القدرتين ساقنا إلى إثبات مقدور بين قادرين.

فإن قيل: الدليل لا يسوق إلى محال لا يفهم و ما ذكرتموه غير مفهوم.

قلنا: علينا تفهيمه و هو أنا نقول اختراع اللّه سبحانه للحركة في.