الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٢
و متابعته، و هو أقرب من تقدير مكابرتهم النص و كتمانه، ثم إنما يتخيل وجوب ذلك لتعذر قطع الاختلاف و ليس ذلك بمعتذر، فإن البيعة تقطع مادة الاختلاف و الدليل عليه عدم الاختلاف في زمان أبي بكر و عثمان رضي اللّه عنهم، و قد توليا البيعة، و كثرته في زمان عليّ رضي اللّه عنه و معتقد الإمامية أنه تولى بالنص.
الطرف الثالث: في شرح عقيدة أهل السنة في الصحابة و الخلفاء الراشدين رضي اللّه عنهم.
اعلم أن للناس في الصحابة و الخلفاء إسراف في أطراف؛ فمن مبالغ في الثناء حتى يدعي العصمة للائمة، و منهم متهجم على الطعن بطلق اللسان بذم الصحابة، فلا تكونن من الفريقين و اسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد، و اعلم أن كتاب اللّه مشتمل على الثناء على المهاجرين و الأنصار و تواترت الأخبار بتزكية النبي صلى اللّه عليه و سلم إياهم بألفاظ مختلفة، كقوله (اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) [١] و كقوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) [٢] و ما من واحد إلا و ورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله، فينبغي أن تستصحب هذا الاعتقاد في حقهم و لا تسيء الظن بهم كما يحكى عن أحوال تخالف مقتضى حسن الظن، فأكثر ما ينقل مخترع بالتعصب في حقهم و لا أصل له و ما ثبت نقله فالتأويل متطرق إليه و لم يجز ما لا يتسع العقل لتجويز الخطأ و السهو فيه، و حمل أفعالهم على قصد الخير و إن لم يصيبوه. و المشهور من قتال معاوية مع علي و مسير عائشة رضي اللّه عنهم إلى البصرة و الظن بعائشة أنها كانت تطلب تطفئة الفتنة و لكن خرج الأمر من الضبط، فأواخر الأمور لا تبقى على وفق طلب أوائلها،
[١] حديث موضوع.
[٢] رواه مسلم.