الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٤
الشرعية، و هو ممكن بدليل الابتداء. فان الاعادة خلق ثان و لا فرق بينه و بين الابتداء و إنما يسمى إعادة بالإضافة إلى الابتداء السابق، و القادر على الانشاء و الابتداء قادر على الاعادة و هو المعني بقوله: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [١] فان قيل فما ذا تقولون: أ تعدم الجواهر و الاعراض ثم يعادان جميعا، أو تعدم الأعراض دون الجواهر و انما تعاد الاعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن و ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات.
و أحد الوجهين أن تنعدم الأعراض و يبقى جسم الانسان متصورا بصورة التراب مثلا، فتكون قد زالت منه الحياة و اللون و الرطوبة و التركيب و الهيئة و جملة من الأعراض، و يكون معنى إعادتها أن تعاد إليها تلك الأعراض بعينها و تعاد إليها أمثالها، فان العرض عندنا لا يبقى و الحياة عرض و الموجود عندنا في كل ساعة عرض آخر، و الانسان هو ذلك الانسان باعتبار جسمه فإنه واحد لا باعتبار أعراضه، فان كل عرض يتجدد هو غير الآخر، فليس من شرط الإعادة فرض إعادة الأعراض، و انما ذكرنا هذا لمصير بعض الأصحاب إلى استحالة إعادة الأعراض، و ذلك باطل، و لكن القول في إبطاله يطول و لا حاجة إليه في غرضنا هذا، و الوجه الآخر أن تعدم الأجسام أيضا ثم تعاد الأجسام بأن تخترع. مرة ثانية، فإن قيل: فيم يتميز المعاد عن مثل الأول؟ و ما معنى قولكم أن المعاد هو عين الأول و لم يبق للمعدوم عين حتى تعاد؟ قلنا: المعدوم منقسم في علم اللّه إلى ما سبق له وجود و إلى ما لم يسبق له وجود، كما أن العدم في الأزل ينقسم إلى ما سيكون له وجود و إلى ما علم اللّه تعالى أنه لا يوجد؛ فهذا الانقسام في علم اللّه لا سبيل إلى انكاره، و العلم شامل و القدرة واسعة، فمعنى الإعادة أن نبذل بالوجود العدم الذي سبق له الوجود، و معنى المثل أن يخترع الوجود لعدم لم يسبق له وجود، فهذا معنى الإعادة، و مهما قدر الجسم باقيا ورد الأمر إلى تجديد
[١] سورة يس الآية: ٧٩.