الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠

أجلّ الموجودات و أرفعها، و الآخر المقدر ناقص ليس بالإله، و نحن إنما نمنع العدد في الإله، و الإله هو الذي يقال فيه بالقول المطلق أنه أرفع الموجودات و أجلها، و إن كان أدنى منه كان محالا، لأنه ناقص و نحن نعبر بالإله عن أجل الموجودات فلا يكون الاجل إلا واحدا، و هو الإله و لا يتصور اثنان متساويان في صفات الجلال، إذ يرتفع عند ذلك الافتراق و يبطل العدد كما سبق.

فان قيل: بم تنكرون على من لا ينازعكم في إيجاد من يطلق عليه اسم الإله، مهما كان الإله، عبارة عن أجل الموجودات، و لكنه يقول العالم كله بجملته ليس بمخلوق خالق واحد، بل هو مخلوق خالقين، أحدهما مثلا خالق السماء و الآخر خالق الأرض، أو احدهما خالق الجمادات و الآخر خالق الحيوانات و خالق النبات: فما المحيل لهذا؟ فإن لم يكن على استحالة هذا دليل، فمن أين ينفعكم قولكم أن اسم الإله لا يطلق على هؤلاء؟ فإن هذا القائل يعبر بالإله عن الخالق، أو يقول أحدهما خالق الخير و الآخر خالق الشر، أو أحدهما خالق الجواهر و الآخر خالق الأعراض، فلا بدّ من دليل على استحالة ذلك.

فنقول: يدل على استحالة ذلك أن هذه التوزيعات للمخلوقات على الخالقين في تقدير هذا السائل لا تعدو قسمين: إما أن تقتضي تقسيم الجواهر و الأعراض جميعا حتى خلق أحدهما بعض الأجسام و الأعراض دون البعض، أو يقال كل الأجسام من واحد و كل الأعراض من واحد، و باطل أن يقال إن بعض الأجسام بخلقها واحد كالسماء مثلا دون الأرض؛ فإنا نقول خالق السماء هل هو قادر على خلق الأرض أم لا، فإن كان قادرا كقدرته، لم يتميز أحدهما في القدرة عن الآخر، فلا يتميز في المقدور عن الآخر فيكون المقدور بين قادرين و لا تكون نسبته إلى أحدهما بأولى من الآخر، و ترجع الاستحالة إلى ما ذكرناه من تقدير تزاحم متماثلين من غير فرق، و هو محال. و إن لم يكن قادرا عليه فهو محال لأن الجواهر متماثلة و أكوانها التي‌