الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨
عليه في الخصوص لا على العموم، و ما كان أيضا دليلا على الاستحالة، فكيف و هو جواب عن السؤال في الحال؟
و أما قوله (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) [١] أي لا تحيط به و لا تكتنفه من جوانبه كما تحيط الرؤية بالأجسام، و ذلك حق، أو هو عام فأريد به في الدنيا، و ذلك أيضا حق، و هو ما أراده بقوله سبحانه لَنْ تَرانِي [٢] في الدنيا.
و لنقتصر على هذا القدر في مسألة الرؤية، و لينظر المنصف كيف افترقت الفرق و تخربت إلى مفرط و مفرّط.
أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية و التقدير و الاختصاص بصفات الحدوث.
و أما المعتزلة فانهم نفوا الجهة و لم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، و خالفوا به قواطع الشرع، و ظنوا أن في إثباتها اثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا. و الحشوية أثبتوا الجهة احترازا من التعطيل فشبهوا، فوفق اللّه سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا للمسلك القصد و عرفوا أن الجهة منفية لأنها للجسمية تابعة و تتمة، و أن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم و فريقه، و هي تكملة له؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها، و ثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي من روادفه و تكملاته و مشاركة له في خاصيته، و هي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم، و لا يخفى عن عاقل أن هذا هو الاقتصاد في الاعتقاد.
(الدعوى العاشرة):
ندعي أنه سبحانه واحد. فإن كونه واحدا يرجع إلى ثبوت ذاته و نفي غيره. فليس هو نظر في صفة زائدة على الذات، فوجب ذكره في هذا القطب.
[١] سورة الانعام الآية: ١٠٣.
[٢] سورة الاعراف الآية: ١٤٣.