الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٩
موضع و طال معه أنسه فيه فانه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع و حيطانه و بين سائر المواضع و لذلك قال الشاعر:
أمر على جدار ديار ليلى أقبل ذا الجدار و ذا الجدارا
و ما تلك الديار شغفن قلبي و لكن حب من سكن الديارا
و قال ابن الرومي منبها على سبب حب الناس الأوطان و نعم ما قال:
و حبّب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
و إذا تتبع الانسان الأخلاق و العادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر، فهذا هو السبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الامور، الذاهلين عن اسرار أخلاق النفوس، الجاهلين بأن هذا الميل و أمثاله يرجع إلى طاعة النفس بحكم الفطرة و الطبع بمجرد الوهم. و الخيال الذي هو غلط يحكم العقل و لكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام و التخيلات بحكم اجراء العادات، حتى إذا تخيل الإنسان طعاما طيبا بالتذكر أو بالرؤية سال في الحال لعابه و تحلبت أشداقه، و ذلك بطاعة القوة التي سخرها اللّه تعالى لإفاضة اللعاب المعين على المضغ للتخيل و الوهم، فإن شأنها أن تنبعث بحسب التخيل و إن كان الشخص عالما بأنه ليس يريد الإقدام على الأكل بصوم أو بسبب آخر و كذلك يتخيل الصورة الجميلة التي يشتهي مجامعتها، فكما ثبت ذلك في الخيال انبعثت القوة الناشرة لآلة الفعل و ساقت الرياح إلى تجاويف الأعصاب و ملأتها، و ثارت القوة المأمورة بصب المذي الرطب المعين على الوقاع، و ذلك كله مع التحقيق بحكم العقل للامتناع عن الفعل في ذلك الوقت.
و لكن اللّه تعالى خلق هذه القوى بحكم طرد العادة مطيعة مسخرة تحت حكم الخيال، و الوهم ساعد العقل الوهم او لم يساعده، فهذا و أمثاله منشأ الغلط في سبب ترجيح أحد جانبي الفعل على الآخر، و كل ذلك راجع إلى الأغراض.
فأما النطق بكلمة الكفر و ان كان كذلك فلا يستقبحه العاقل تحت السيف البتة