الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٦
و حصل ما في الصدور، و زكيت القلوب بالشراب الطهور، و صفيت بأنواع التصفية و التنقية، لم يمتنع أن تشتغل بسببها لمزيد استكمال و استيضاح في ذات اللّه سبحانه أو في سائر المعلومات، يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل، فيعبر عن ذلك بلقاء اللّه تعالى و مشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات. فلا مشاحة فيها و بعد إيضاح المعاني. و إذا كان ذلك ممكنا بأن خلقت هذه الحالة في العين، كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق و خلقه في العين غير مستحيل. كما أن خلقها في القلب غير مستحيل فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية.
علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه، و أن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحنة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها. و لنقتصر في هذا الموجز على هذا القدر.
- الطرف الثاني في وقوعه شرعا، و قد دل الشرع على وقوعه و مداركه كثيرة، و لكثرتها يمكن دعوى الإجماع على الأولين في ابتهالهم إلى اللّه سبحانه في طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم. و نعلم قطعا من عقائدهم أنهم كانوا ينتظرون ذلك و أنهم كانوا قد فهموا جواز انتظار ذلك و سؤاله من اللّه سبحانه، بقرائن أحوال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و جملة من ألفاظه الصريحة التي لا تدخل في الحصر، بالاجماع الذي يدل على خروج المدارك عن الحصر. و من أقوى ما يدل عليه سؤال موسى صلى اللّه عليه و سلم (أرني أنظر أليك) [١] فإنه يستحيل أن يخفى عن نبي من أنبياء اللّه تعالى انتهى منصبه إلى أن يكلمه اللّه سبحانه شفاها أن يجهل من صفات ذاته تعالى ما عرفه المعتزلة.
و هذا معلوم على الضرورة، فإن الجهل بكونه ممتنع الرؤية عند الخصم يوجب التفكير أو التضليل و هو جهل بصفة ذاته لأن استحالتها عندهم لذاته و لأنه
[١] سورة الاعراف الآية: ١٤٣.