الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠
بل ربما يستقبح الاصرار، فان استحسن الاصرار فله سببان: أحدهما، اعتقاده أن الثواب على الصبر و الاستسلام اكثر، و الآخر، ما ينتظر من من الثناء عليه بصلابته في الدين، فكم من شجاع يمتطي متن الخطر و يتهجم على عدد يعلم أنه لا يطيقهم و يستحقر ما يناله بما يعتاضه عنه من لذة الثناء و الحمد بعد موته و كذلك الامتناع عن نقض العهد بسببه ثناء الخلق على من يفي بالعهد، و تواصيهم به على مر الأوقات لما فيها من مصالح الناس.
فإن قدر حيث لا ينتظر ثناء فسببه حكم الوهم من حيث أنه لم يزل مقرونا بالثناء الذي هو لذيذ، و المقرون باللذيذ لذيذ، كما أن المقرون بالمكروه مكروه كما سبق في الأمثلة، فهذا ما يحتمله هذا المختصر من بث أسرار هذا الفصل، و إنما يعرف قدره من طال في المعقولات نظره، و قد استفدنا بهذه المقدمة إيجاز الكلام في الدعاوى فلنرجع إليها.
الدعوى الأولى:
ندعي أنه يجوز للّه تعالى أن لا يخلق الخلق، و إذا خلق فلم يكن ذلك واجبا عليه، و إذا خلقهم فله أن لا يكلفهم، و إذا كلفهم فلم يكن ذلك واجبا عليه، و قالت طائفة من المعتزلة يجب عليه الخلق و التكليف بعد الخلق.
و برهان الحق فيه أن نقول: قول القائل الخلق و التكليف واجب، غير مفهوم؛ فإنا بينا أن المفهوم عندنا من لفظ الواجب ما ينال تاركه ضرر، إما عاجلا و إما آجلا، أو ما يكون نقيضه محال، و الضرر محال في حق اللّه تعالى، و ليس في ترك التكليف و ترك الخلق لزوم محال، إلا أن يقال كان يؤدي ذلك إلى خلاف ما سبق به العلم في الأزل و ما سبقت به المشيئة في الأزل، فهذا حق و هو بهذا التأويل واجب، فإن الإرادة إذا فرضت موجودة، أو العلم إذا فرض متعلقا بالشيء، كان حصول المراد و المعلوم واجبا لا محالة، فان قيل: إنما يجب عليه ذلك لفائدة الخلق لا لفائدة ترجع إلى الخالق سبحانه و تعالى، قلنا: الكلام في قولكم لفائدة الخلق للتعليل،