الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٢

البرهاني لم يتصور زيادته و لا نقصانه، بل اليقين إن حصل بكماله فلا مزيد عليه. و إن لم يحصل بكماله فليس بيقين، و هي خطة واحدة و لا يتصور فيها زيادة و نقصان إلا أن يراد به زيادة وضوح أي زيادة طمأنينة النفس إليه بأن النفس تطمئن إلى اليقينيات النظرية في الابتداء إلى حل ما، فإذا تواردت الأدلة على شي‌ء واحد أفاد بظاهر الأدلة زيادة طمأنينة، و كل من مارس العلوم أدرك تفاوتا في طمأنينة نفسه إلى العلم الضروري، و هو العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد و إلى العلم يحدث العالم و إن محدثه واحد، ثم يدرك أيضا تفرقة بين آحاد المسائل بكثرة أدلتها و قلتها، فالتفاوت في طمأنينة النفس مشاهد لكل ناظر من باطنه، فإذا فسرت الزيادة به لم يمنعه أيضا في هذا التصديق.

أما إذا أطلق بمعنى التصديق التقليدي فذلك لا سبيل إلى جحد التفاوت فيه؛ فإنا ندرك بالمشاهدة من حال اليهودي في تصميمه على عقده و من حال النصراني و المسلم تفاوتا، حتى أن الواحد منهم لا يؤثر في نفسه و حل عقد لمبه التهويلات و التخويفات و لا التحقيقات العلمية و لا التخيلات الإقناعية، و الواحد منهم مع كونه جازما في اعتقاده تكون نفسه أطوع لقبول اليقين، و ذلك لأن الاعتقاد على القلب مثل عقدة ليس فيها انشراح و برد يقين.

و العقدة تختلف في شدتها و ضعفها فلا ينكر هذا التفاوت منصف و إنما ينكره الذين سمعوا من العلوم و الاعتقادات أساميها و لم يدركوا من أنفسهم ذوقها، و لم يلاحظوا اختلاف أحوالهم و أحوال غيرهم فيها.

و أما إذا أطلق بالمعنى الثالث و هو العمل مع التصديق، فلا يخفى بطرق التفاوت إلى نفس العمل، و هل يتطرق بسبب المواظبة على العمل تفاوت‌


فأفضلها قول لا إله الا الله، و ادناها إماطة الاذى عن الطريق و الحياء شعبة من الايمان»- عن ابي هريرة-.