الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٩
حقق في القطب الأول، و في صفاته و أحكامها كما حقق في القطب الثاني.
و في أفعاله بأن يعتقد فيها الجواز دون الوجوب كما في القطب الثالث، و في رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بأن يعرف صدقه و يصدقه في كل ما جاء به كما ذكرناه في القطب الرابع، و ما خرج عن هذا فغير مهم. و نحن نورد من كل فن مما أهملناه مسألة ليعرف بها نظائرها و يحقق خروجها عن المهمات المقصودات في المعتقدات.
أما المسألة الأولى العقلية: فكاختلاف الناس في أن من قتل هل يقال إنه مات بأجله؟ و لو قدر عدم قتله هل كان يجب موته أم لا؟ و هذا فن من العلم لا يضر تركه، و لكنا نشير إلى طريق الكشف فيه، فنقول: كل شيئين لا ارتباط لأحدهما بالآخر، ثم اقترنا في الوجود، فليس يلزم من تقدير نفي أحدهما انتفاء الآخر، فلو مات زيد و عمرو معا ثم قدرنا عدم موت زيد لم يلزم منه لا عدم موت عمرو و لا وجود موته، و كذلك إذا مات زيد عند كسوف القمر مثلا، فلو قدرنا عدم الموت لم يلزم عدم الكسوف بالضرورة، و لو قدرنا عدم الكسوف لم يلزم عدم الموت إذ لا ارتباط لأحدهما بالآخر، فأما الشيئان اللذان بينهما علاقة و ارتباط فهما ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون العلاقة متكافئة كالعلاقة بين اليمين و الشمال و الفوق و التحت، فهذا مما يلزم فقد أحدهما عند تقدير فقد الآخر لأنهما من المتضايفان التي لا يتقوم حقيقة أحدهما إلا مع الآخر.
الثاني: أن لا يكون على التكافؤ، لكن لأحدهما رتبة التقدم كالشرط مع المشروط، و معلوم أنه يلزم عدم الشرط، فإذا رأينا علم الشخص مع حياته و إرادته مع علمه فيلزم لا محالة من تقدير. انتفاء الحياة انتفاء العلم، و من تقدير انتفاء العلم انتفاء الإرادة، و يعبر عن هذا بالشرط و هو الذي لا بد منه لوجود الشيء و لكن ليس وجود الشيء به بل عنه و معه.
الثالث: العلاقة التي بين العلة و المعلول، و يلزم من تقدير عدم العلة